المفروض طبعا على كل كائن .
على أنا نقف متسائلين بين يدي إمامنا عما يعني بالأخلاق في قوله : « لا تقسروا أبناءكم على أخلاقكم ؟ فالأخلاق في أصل اللغة هي السجايا والطبائع والعادات سيئة كانت أو حسنة ، وأما في العرف العام فيطلقونها على المروءات والحكم والآداب ، فإذا نهى الإمام الآباء عن قسر أبنائهم على ما تخلقوا به ، فإنما يعني السجايا والعادات التي هي مناط الخير والشرّ معا ، لا الأخلاق التي هي مناط الخير فقط كالمروءات والآداب العامة ، فإن هذه من أخص ما يجب أن يقسر الآباء عليه الأبناء
فإذا كنت متصفا بالكرم والوفاء والتسامح والإباء وغيرها من السجايا النبيلة ، فالإمام أسمى من أن ينهاني عن أن أروض ولدي عليها وألزمه بها . إن الأخلاق الكريمة في الآباء وديعة من عند اللّه لا يؤمنون الإيمان المحظي عند ربهم حتى يؤدوها إلى الأبناء ، والصلة الوثيقة بين القديم والجديد إنما تقوم على الوراثة ، وخير للآباء القدامى أن يورثوا أبناءهم الجدد خير ما عندهم من أخلاق ، ولعل تربيتهم أبناءهم على التعلق بها هي إحدى الفضائل التي يتقوّم بها الدين المنزّل من السماء على الأرض .
وإذا لم يرث عني ولدي خير ما أحرص عليه من تراث كان مزاج لحمي ودمي حبا في الخير ونقمة على الشر ، فما ذا يرث إذن عني والمفروض أنه يجب أن يكون وارثي ليكون مني .
إذن فالمعنى للإمام بقوله : « لا تقسروا أبناءكم على أخلاقكم » إنما هو العادات والسجايا والتقاليد التي تلائم عصر الآباء ، ولا تتسق للأبناء من وراء الرقي المفروض بدافع التطور الطبيعي في الإنسان ، ومثالا على ذلك : إنا نحن الآباء درجنا في جيل مضى على أن نلبس الجلباب ونأكل باليدين ونضطجع أو ننام على الأرض ، وأن نتخذ من دورنا محافل وأندية للسمر والتندر ، وأن نلتزم الوقار والحزم والاحتفاظ بالهيبة في تربية أولادنا وتلقين تلامذتنا ، إلى غير ذلك من الأخلاق والصفات التي تلائم عصرنا .
أقول : نحن الآباء الذين درجنا على مثل هذه العادات ، وتخلقنا بمثل تلك السجايا لسنا مصيبين إذا حملنا أبناءنا أو أكرهناهم على التخلق بها في عصر تأنقت فيه الحياة وارتفع بنا مستوى العيش فيها ، وهكذا كنا ندرس في المساجد فرادى فأصبح أبناؤنا يدرسون جماعات وفي معاهد يلتقي الدين فيها بالدنيا ، بينما كانت دروسنا قاصرة على الفقه أو ما يلزم الفقه من لغة وبيان حتى حرّم بعض الفقهاء على الدارس أن يخلط مع هذه العلوم علوما أخرى ، كالطب والهندسة والكيمياء وعلوم النفس والسياسة
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 447
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٤٧