تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
أبنائها مجهولو الآباء كفرنسا التي أثبت الإحصاء في عاصمتها بعد الحرب الأولى أن أربعين في المائة من أبنائها مجهولو الآباء . وهكذا في أميركا أن حصانة الزواج مفقودة فقلما تجد العفة ، وحرمة الزواج تعصم أحد الزوجين ، من أجل ذلك لا تحرص المرأة على الولد لأنه يحول بينها وبين انطلاقها في عالم الشهوات ، لذلك تتحامى الحمل أوّلا ، فإن وقعت فيه مكرهة سلمته لدور الحضانة على حساب حكومتها ، فتنشأ الأبناء في حضانة أمّهات عارية . ومقدمة هذا البحث إنما هي تمهيد لصدق الرسول على الغربيين في أن دور الحضانة تكاد تكون ملهى وملعبا للصبية ستا أو سبعا من أعمارهم . أما نحن فلا نفتح أعيننا على الحياة إلا في جوّ مرهق من القيود التي يغل آباؤنا بها أيدينا عن أن نعمل وأرجلنا عن أن نركض ، فقد أسأنا كلمة الأدب في الصغار كأنا لم نسمع قول الرسول هذا : « لاعب ابنك سبعا » فإن الوقار المصطنع والهيبة المتكلفة عند كبارنا تحول بينهم وبين أبنائهم من اللهو والمرح والانطلاق التي هي من أرقى صفات الطفولة والصبا في تنشئة الأبناء عقلاء أصحاء ، والطبيعة هي التي تؤهلهم لذلك ، ولكنا نخالف الفطرة التي هي نواة أولى لدين محمّد ، فنفرض على صغارنا منذ السنة الأولى أو الثانية لزوم الوقار والتزمّت والاحتشام التي هي من صفات الرجولة بعد الشباب . أذكر بدقة : أنا كنا في دور الصبا ونكاد لا ننهد إلى الخامسة من سني حياتنا ، كنا نختلس الزمن الذي يخولنا اللعب ساعات حتى إذا فاجأنا رجل ما نهرب ونتوارى خوفا من تأنيبه وتقريعه ، وقد نتعرض في سبيل اللعب إلى سخط الشيوخ واستعمالهم العصي أحيانا كثيرة ليزجرونا عن وظيفة الطبع في نفوسنا ، وكان اللعب واللهو في صغار القرية وكبارها سبّة أولى تنال أهل الولد اللاعب اللاهي ، فالمسلمون أفرطوا في تربية أولادهم تربية الجمود ، وغيرهم فرّطوا في تربية أبنائهم تربية التحرر حتى الجحود ، لقد رأيت السواد الأعظم من الغربيين يقطعون حياتهم في اللعب واللهو ، من المهد إلى اللحد . لقد خلقوا لهوا ولعبا يحار فيه عقل الإنسان المفكر ، مثل الملاكمة التي يذهب ضحيتها عشرات الناس في كل أسبوع ، وكلما سقطت ضحية صفق لسقوطها عشرات الألوف من النظارة حولهم . ومن هذه الألعاب كرة القدم ويا لها لعبة يموج اللاعبون في حلبتها وحولهم مئات الألوف يهتفون ويهللون وهكذا حياة الغربي حافلة باللعب ، ولكنه لعب يقوم على حكمة يفيد منها مجتمعهم كلها نشاط ، وأما حياتنا نحن الشرقيين فهي حافلة بالجد ولكنه جدّ يقوم على الخمول والكسل .