تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
( 10 ) « 1 » وقوله عز من قائل :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
« 2 » . إذن فالتربية الإسلامية الصحيحة إنما تقوم على ثلاثة أدوار : أولها : التربية الرياضية الفطرية ، يعامل الأب فيها ابنه معاملة الرفق والرحمة والعطف والحنان ، حتى يملأ جسمه صحة وقلبه حبا للبيت والمجتمع والحياة ، لينشأ محبا لأهله ، محبا لقومه ، محبا لوطنه ، لذلك نرى الولد الذي ينشأ مع غير أبويه محروما من عطفهما وحنوّهما ، لا يعرف معنى للحب الأول الذي يغرس في صدره الجهاد في الحياة ، حافلا بعصبيته لقومه ووطنه ، وعلى العكس نراه ينشأ متبرّما بالحياة ، صاخبا على المجتمع ، يكاد فراغ قلبه من حنان أبويه يحيله وحشا مفترسا لا يملؤه غير البطش والعسف والجور فيما يقول ويفعل . فالنواة الأولى لحياة المرء الهادئة المطمئنة إلى جمال الوجود وخيره ، واستقبال ما يثقف عقله وينير بصيرته ، ويملك أمره ويعزز كرامته الإنسانية في عشيرته وقومه ، وقد يصبح بفضل هذه الحياة رجلا عالميا يفيض خيره على الوجود كله . أقول : إن النواة الأولى لهذه الحياة ، هي تنشئته على الشكل الذي دعا إليه الرسول في دوره الأول ، من إسباغ الحنان عليه والرعاية له بغير ما قسوة ولا عنف ولا تقويم ، لأنه لا يزال في أمسّ الحاجات إلى الملاينة والمداعبة والملاطفة حتى يشتد عضله ويقوى ساعده ويتفتح قلبه للحياة ، وعلى العكس ينشأ مظلم القلب عاتي النفس لا يرى في الحياة إلا النقمة والصلف والجبروت . وثاني هذه الأدوار : التربية العلمية ، وهي التي تسترعي الأب المعلم عنايته في التثقيف والتعليم والتعريف بالحياة ، والحرص على أن يستهدف التلميذ لتقويم العقل حتى ينضج ويفقه الحكمة التي من أجلها كان ، وإليها يعود ، لأن العلم حياة والجهل موت ، ولهذا نجد الأمّة التي تنشأ في الفوضى ، وتسود فيها الأمية ، نجدها عارية من جمال الحياة وجلالها ، خالية من كل ما يدفع بها إلى السيادة والعزة والكرامة ، ثم إلى الحكمة في خلق السماء والأرض وعرفان القدرة المهيمنة على نظام الكون وانتظامه . وأما الدور الثالث : فهو دور الخروج أو الإعداد لخروج الناشئ من عالم البيت إلى عالم العلم المقرون بالعمل ، إلى عالم الاستقلال بالرأي والتصرف بالحياة ، إلى
هامش
( 1 ) سورة البلد ، الآية 10 . ( 2 ) سورة الإنسان ، الآية 3 .