عالم يصعد به إلى ربه أو يهبط به إلى الدرك الأسفل من جحيم الحياة .
صلوات اللّه عليك يا رسول اللّه ، إنك تعلمنا منذ ألف عام ونيف بما يتبجح به أرقى الشعوب في عصر النور ، ويحسبون أنه من ولائدهم ، ونحن سادرون في غينا نؤمن بأن هؤلاء الذين أرشدونا إلى الحياة وتعاليمهم هي التي تضمن لنا ذلك ، وأما رسالتك فهي في حرز من أن نبصر بها ونسمع ونفكر .
* * * قال الإمام علي عليه السّلام : « لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمن غير زمنكم » « 1 » .
هذه الكلمة من الإمام عليه السّلام ، نزلت من نفسي منزلة أحرص على أن لا تمر عابرة فأحببت أن أعقب عليها بما ينبض فيها من حياة تتراءى لي وأنا أدرس وأعلل فيما يحدق بي من روائع الوجود .
الكلمة هذه خليقة بأمير المؤمنين علي ، لأنه عودنا التجديد فيما يقول ، ونهجه حافل بأمثال هذه الروائع .
أقول : إن هذه الكلمة خليقة بإمام البلغاء ، إذ عوّدنا على التنبؤ في المغيّبات ، وعلّمنا كيف نستقبل الحياة جديدة ، ونستدبرها قديمة ، فهو المجدّد الأول في عهده مع صلابة في التمسك بمبدئه والاحتفاظ بعقيدته ، لم يفرّط فيما فرّط به معاوية ، ولم يجحد جحود من شرطوا في الخلافة قبله أن تكون قاصرة ، بعد كتاب اللّه وسنة رسوله على سيرة الشيخين ، دون اعتماد الفصل في تصريف الأحكام بدافع التطور ، وذلك ما دعا عليا لأن يضحي بالخلافة يوم الشورى ، إذ قال له عبد الرحمن بن عوف ( وكان محكّما ذلك اليوم ) : « ابسط يدك أبايعك على كتاب اللّه وسنة رسوله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر . فأجابه علي : على كتاب اللّه وسنة رسوله واجتهادي فيما أرى بعد ذلك » .
ولقد كان الإمام يرمي بكثير من أقواله إلى بناء الأمّة في مستقبلها العتيد وفي نهجه كثير من آرائه التي أشار بها إلى العلوم والفنون في العصور المختلفة حتى عصرنا الحاضر ، وفي هذه الكلمة التي يدور حولها بحثنا الآن إشارة صريحة إلى ضرورة التطور في الحياة ، فهو يريد أن يحمل الناس حملا على الإيمان بالتطور ، إذ لو جمد الأبناء على سيرة الآباء لكانوا إياهم خلقا وخلقا ، وهذا مغاير لسنن الطبيعة في التطور
هامش
( 1 ) ابن أبي الحديد ، ج 4 ص 536 .