تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
الفرقان الأعظم :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 1 » فالمقصود بالرمي الإصابة وإلا كان خطأ وفقدت آلة الرمي صوابها ، وكان القول والعمل إذ ذاك عبثا . كنا نسمع في الكتاتيب أيام حداثتنا وتلقينا العلوم الأولية ، نسمع مثلا يسير على الألسن وينفذ إلى القلوب من الآذان ، ومن قراءة الأماثيل التي يخطها الأستاذ قواعد على الألواح التي نتلقى عليها فنّ الخط ، هذا المثل مقتبس من الحديث الشريف الذي نحن بصدد البحث عنه الآن والمثل هو : « من خط وعام وضرب بالحسام فهو نعم الغلام » ، وهو عين معنى الحديث لولا استبدال الحسام بالرماية ، وأظن أن القافية وتحريها في المثل هو السبب في الاستبدال ، على أن مقتبس المثل في استطاعته الحصول على السجع باستبدال لفظ السهام من لفظ الحسام فيقول : « من خط وعام ورمى بالسهام فهو نعم الغلام » وليس من فرق في تحري الحقيقة بين الرمي بالسهم والضرب بالسيف ، لأن كلّا منهما رمي للقوة والدفاع . على أن للانتضال ، أي الرمي بالسهام ، ميزة على الضرب بالحسام هي أن القتال دون ما اشتباك يخفف وطء التقتيل بين المتحاربين ، لأن الاشتباك يوشك أن يكون بين المشتبكين دمارا ، ولهذا كانت خطط الحروب فيما بعد الرمي أولا وقبل كل شيء ، فلم يخترعوا البنادق والمدافع والقنابل ثم الصواريخ إلا ليتفادوا هذا الاشتباك الذي يحيل الأرض بالمعارك إلى بحار من الدماء تهدر فيها كرامة الإنسانية ، ولقد أصبح الآن مجتمع هذا الإنسان الوحشي يستطيع أن يمحو خصمه من الوجود وهو في بيته من وراء الأسلحة النووية المدمرة . فالكتابة ليست كما كنا نفهم في عهد الخمول ، وكما كان يفهم آباؤنا السادرون في تأخرهم بعد أن نبذوا تعاليم اللّه على لسان رسوله ، كانوا يفهمون من الكتابة أنها تحبير الكلام على الطروس ، والافتنان في جودة الخط وتزويقه ولكنها العلم الذي علمنا اللّه تعالى شأنه فنونه وأساليبه بالقلم الذي هو عنوان التدوين والتحبير المفضيين بنا إلى علوم الحياة وليست السباحة كما نفهم من أنها عصمة الإنسان من الغرق إذا ركب البحر ، ولكنها إلى ذلك ، دفع بنا إلى استقصاء الأعماق في قعر البحار ، لاستخراج الكنوز والاطلاع في أغوارها على عجائب خلق اللّه ، ثم ليست الرماية كما نفهم ويفهم آباؤنا ، من أنها إحكام وضع السهام في القسي ثم إطلاقها على العدو ، ولكنها إلى ذلك
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية 17 .