وكما تستتبع ولاية الزوج ( على ما قدمنا ) ، تتطلب منه أن يكون غفورا لهنات زوجته ، صبورا على ما يكره منها ، وقد دعاه اللّه إلى ذلك ورغبه فيه أحسن ترغيب ، ونبهه إلى ما قد يكون في المكروه من الخير والمنافع حيث يقول :
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
( 19 ) « 1 » . وعند ذلك يتغير الرأي والحكم عليه ، فإن لم يفد في ذلك عفوه وصبره ، ولم يغير مرور الزمن من نظره وحكمه ، فللإصلاح حينئذ طرق مختلفة اختلفت باختلاف البيئات ، فإن النساء معادن والمعادن مختلفة متباينة يكفي في جلاء بعضها خفيف المس ، ولا يفيد في بعضها إلا نوع من العلاج يستعان فيه بشديد الدلك واستعمال بعض السوائل والأخلاط .
ولما بيناه في علاقة الزوجة من المعاونة بين الزوجين واشتراكهما في مرافق الحياة ، وتماثلهما في الحقوق والواجبات ، على حسب ما تقتضيه المصلحة والطبيعة .
جعل الإسلام بدء هذه الرابطة مؤسسا على رضا الطرفين ، فلهما الرأي .
وإنشاؤها دون أن يكون لأحد حق الالتزام بها جبرا فليس لأبي المرأة إكراهها على تزوج من لا ترضاه ، وكذلك ليس للولي حمل ابنه على تزوجه ممن لا يرضاها .
ولحصول الزواج غالبا في أوقات لا يتم للعقل فيها نموه ، ولا يزال لهوى النفوس سلطان فيها على القلوب ، جعل الإسلام لأولياء الزوجين رقابة على اختيارهما حتى يوجهوهما إلى الخير ويجنبوهما أسباب الطيش وسبل الهوى .
أما إنهاء هذه العلاقة فقد تدعو إليه الضرورة ويتعين طريق ووسيلة لدفع شرور ماحقة كثيرا ما تطغى فتتجاوز الزوجين إلى الأقارب والمجتمع ، ولمثل هذا شرع الطلاق ، وفي مثل هذه الظروف قرره الإسلام ، وجعله بيد الزوج لأنه أبعد نظرا وأقل تأثرا ، وأعرف بالعواقب وأحرص على إبقاء هذه العلاقة في كثير من الأحوال .
إذا دب الشقاق إلى البيت ، وتعذر جمع شمله ، وتنافر ود أهله ، فلا محيص من الفرقة بين الزوجين . والفرقة أمر بغيض ، وقد يتعدى شرها الزوجين إلى غيرهما .
ولذلك لا يصار إليها إلا بعد اليأس من المصالحة ، واستئناف حياة أهدأ وأطيب .
والمفروض من التئام شمل الأسرة إقامة حدود اللّه . فيعف أحدهما الآخر ويعينه على السكينة النفسية ويمكنه من أداء واجباته الاجتماعية والتفرغ لإتقانها .
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية 19 .