تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
تتحسس ، أو فكر يجول في استلهام علمه وفنه ، فقد ورد في الحديث الشريف : « من أخلص للحق فيما يقول ويفعل علمه اللّه بلا تعلم » . قال يزيد بن معاوية في أهل البيت عليهم السّلام ، عندما استأذنه زين العابدين ليتكلم وهو صبي مفجوع بقتل أبيه ، ورفض يزيد أن يأذن له ، وأنكر عليه أهل مجلسه هذا الرفض قائلين : ما ذا يحسن هذا الصبي فدعه يتكلم ، فقال يزيد لهم : « هؤلاء أهل بيت زقوا العلم زقا » . والحديث الشريف القائل : « إن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنّى وجدها لا يبالي من أي وعاء خرجت » . أقول : إن هذا الحديث يشير إلى أن الحكمة وهي في صميم العلم ، يمكّن للمؤمن سواء كان متعلما أو أمّيا ، أن يظفر بها عن طريق الإلهام دونما إعمال عقل أو إجالة فكر ، كما يعمل العقل العالم والفكر المجرب . إن التقاط الحكمة معناها استلهامها من كل ما يدركه الحس ويعيه القلب ، ولو شاء رسول اللّه بكلمته هذه ، أخذ الحكمة عن طريق العلم لقال غير ذلك ، ولكان ينبغي أن يقول : الحكمة ضالة المؤمن العالم يبحث عنها في كل ما يحس فكلمة المؤمن أعم من العالم ، وكلمة يلتقطها بمعناها الدقيق يقنصها ويظفر بها والمعنى الباقي في كلمته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إن ظفر المؤمن بالحكمة ليس له ضابط وإن مكان هذه الحكمة غير محدود ، والعلم غير ذلك . فإن له ضوابط وأصولا وقواعد لا بد للمتعلم من أن يتدرج فيها ليصل إلى العلم المفضي به إلى الحكمة ، التي يؤتي كثيرا من الخير من يؤتاها . في دستور الإمام إذن تقسيم الإنسان إلى ثلاثة : علماء ، ومتعلمين ، وجهلاء ، ولا يزال هذا التقسيم قائما حتى اليوم ، ثم لن يزال كذلك قائما حتى يوم الحشر ، فلا يقولنّ معترض : إن في سويسرا مثلا ، فضلا عن إنكلترا أو ولايات أميركا المتحدة ، ما يخالف هذا التقسيم ، لأن الأمية في هذه الأقطار لا وجود لها ، وبأن سويسرا قد شيعت الأمية بحفاوة بالغة ، إشعارا بأن الماضي ولّى بجهله ، وبأن الحاضر يستقبل العلم الذي لا جهل وراءه . . . أقول : ليس في هذا ما ينقض حكم الإمام في دستوره ، فإن الجهل غير قاصر على الأمية ، وليست الثقافة قاصرة على العلم ، فكم من جاهل أمي هو في عداد العلماء بثقافته الفطرية . وكم من عالم قطع حياته في الدرس وهو في عداد الجهلاء بما أوتيه من سفه في الرأي وخطل في الفكر ، فلو لم يكن في الأمة إلا أمي أو متعلم ، لكان من هؤلاء الأميين أو أولئك المتعلمين ثلاثة : أحدهم عالم ، والثاني متعلم ، والثالث همج .