العالم الرباني هو الملهم أو المستلهم ، وقد ثبت في العلم الحديث أن من العلم ما هو ملهم كعلوم الأنبياء ، ذوي المعاجز ، وقد عقدت مؤتمرات في جامعة برلين لبحث إمكان العلم بطريق الإلهام ، لثبوت أن جابر بن حيان لم يدرس العلوم على غير إمامه جعفر الصادق عليه السّلام ، وثبوت أن جعفرا هذا تلقى علومه عن آبائه ، وثبوت أن علوم هؤلاء تقف بنسبها عند محمّد ، ( ومحمّد صلوات اللّه وسلامه عليه ) كان ملهما .
نقل ذلك العلامة يحيى الهاشمي المجاز بعلمه من جامعة برلين . من أجل ذلك ، أي إن علم الإنسان الأول إلهام ، نسب الإمام هذا الإنسان بعلمه إلى ربه وجعله أسمى أنواع أهل العلم ، فالرباني هو المنسوب إلى الرب ، وهو بصورة أوضح فيما يقول ويفعل ، أي إن العالم الرباني هو الذي يستعين ربه في إصابة الحق بقوله إذ يقول ، وإصابة الحكمة في عمله إذ يعمل ، لذلك نرى الملهمين في العلوم والفنون من رسل الحق المعبر عنهم بالأنبياء ، ورسل الطبيعة المعبر عنهم بالحكماء ، أقول : لذلك ، أي لأن علومهم ربانية ، نراهم المشرعين الأول في توجيه الإنسانية ، والهيمنة على نظم الحياة فيها ، هذا هو العالم الرباني .
وأما المتعلم على سبيل نجاة : وهو النوع الثاني من مقومات الإنسانية ، فهو من يتلقى العلوم والفنون من معاهد تشاد للدراسة والتلقين ، أو يتلقاها من أفواه الناس أو بطون الكتب ، أو من مظاهر الحياة على ألسنة هدير البحر وهيمنة النسيم ، كل ذلك من بواعث العلوم والفنون في نفس الإنسان إذا شاء أن يتعلم ليصل بعلمه أو فنه إلى حيث ينجو من شقاء الدنيا أو من عذاب الآخرة ، فإن العلم أو الفن ، أيا كان ، يفضي بطالبه إلى النجاة من شقائه القائم على الجهل وأقل من ينشأ عن الجهل الفقر والمرض المفضيان بالإنسانية إلى الدمار آخر الأمر .
وأما الهمج الذي ينعق مع كل ناعق ، وهو النوع الثالث من مقومات الإنسانية ، فهو الذي يقوم على خدمة العالم والمتعلم في تأمين وسائل الحياة لذلك كان مسيّرا لا خيرة له فيما يعمل ، ولا حول له ولا طول في حياته ، إلا بأن يأتمر وينتهي بين يدي موجهه العالم الرباني والمتعلم الناجي وإلّا هلك .
الهمج الرعاع من بني الإنسان هم الذين يشكلون السواد الأعظم ، وهم الذين يطؤون الحق بأقدامهم إذا قادهم مبطل ، ويرفعون لواء هذا الحق إذا قادهم محق ، فهم السلاح لإصلاح العالم ، وهم السلاح لإفساده ، من أجل ذلك نرى السعيد في الأمة من يقوى على توجيه العامة من الشعب ، ونرى الشقي من يخفق في هذا التوجيه ، ومن هنا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 359
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٩