من جسد حي ليحيوا بها جسدا هامدا .
إنني أتساءل طوال ليلي المؤرق ونهاري الحائر : أما يستطيع الناس - وفيهم من العلماء والمفكرين - أن يجدوا طريقة يصلحون بها الأشقياء بدلا من تقتيلهم ؟ لو وجدت هذه الطريقة لتغير مصيري . . . فلأدع اللّه في هذه الساعة الأخيرة من حياتي أن يوفق الناس إلى هذه الطريقة حتى لا يكون مصير من نشؤوا مثل نشأتي أليما مروعا كمصيري ! .
إنني أعرض الآن في ذاكرتي قصة حياتي ، فأرى أني لو ربيت تربية صالحة ، ولو وجّهت توجيها قويا لشققت في الحياة الطريق الذي يشقه الناس الأخيار ، ولكني كنت سيىء الحظ أكثر مما كنت شرير الطبع ، فلم ألق حولي إلّا من أساء فهمي وأخطأ توجيهي ، فقادني من السرقة إلى القتل إلى الإعدام . . . » .
إن فساد العلم بالدين والحكم بالدين كانا من الكوارث الكبرى في تاريخ البشر ، فهل يعزّ على أولي الألباب من حملة العلم إقامة حضارة تحسن معرفتها للّه وإقامتها لحدوده ؟ .
ربما قال المتشائمون : لقد نجح الشيطان من قديم في إغواء الإنسان ، ويبدو أنه ماض في خطته الأولى يحرز نصرا بعد نصر .
وما من جيل ينقرض إلا ويتقلص معه منه ظلال .
وأقول : إن العراك خالد بين الحق والباطل ، وعلى حملة العلم أن يؤدوا واجبهم إلى آخر رمق .
ويؤسفني أن أقرر هنا أن انتشار الفساد في الأرض لم يجئ من نشاط الشيطان ، بقدر ما جاء من تكاسل حملة العلم ووهن عزيمتهم .
واللّه عز وجل يكلف رجال العلم خاصة أن يستميتوا في إعلاء كلمته وحياطة رايته وتعليم عباده . « ما أخذ اللّه على الجهلاء أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا » .
* * * « قال الإمام علي أمير المؤمنين عليه السّلام : « الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق » .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 358
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٨