رأينا عليا عليه السّلام يرجع مغصوصا إلى ربه أن أخفق في قيادة الرأي العام في أمته ، بينما كان خصمه معاوية يتقلب على رياش العز ، إذ كان مفلحا في قيادة الرعاع من أمة محمّد .
ذلك لأن وسائل القيادة في العامة تضطر القائد لأن يتسامح في دينه ، فينافق ويكذب ويدجل ويضلل ، ويغدر ويفجر ، ثم ينفق مال الأمة في غير سبيله ، وعلى العكس نرى وسائل القيادة والتوجيه في الخاصة ، تضطر القائد لأن يخلص في عمله ، ويضحي بين يدي إنسانيته في سبيل دينه وكرامته ، من هذا القبيل علي بن أبي طالب عليه السّلام ، ومن القبيل الأول كان معاوية بن أبي سفيان ، والواقع الذي يؤلم أن سنة علي تعطلت بموته ، ولا تزال سنة معاوية لها السيادة في العالم حتى اليوم ، ذلك لماذا ؟ ؟ ؟ .
ذلك لأن عليا كان يريد أن يتخذ الخلافة وسيلة لتوجيه الأمة إلى الحق ، ولأن معاوية أراد أن يتخذ توجيه الأمة إلى الباطل وسيلة للخلافة ، وأكثر الناس مأخوذون بزخرف الحياة الدنيا ، فحيث رأوا هذا الزخرف شخصوا إليه ، إلا من هدى اللّه قلبه للإيمان وهو نادر في الأمة ، لأن في الإيمان قيدا للنفس عن الهوى ، وفي الكفر انطلاقا لها بين يدي متع الحياة ، والدين إنما نزل ليغرز الإيمان في النفوس بالعلم ، فيكثر العالم الرباني والمتعلم الناجي ، ويتضائل الهمج الذي ينعق مع كل ناعق ، ويتقهقر إذ ذاك من يتخذ الرعاع وسيلة لإشباع شهواته من حطام الدنيا ، ثم يتقدم بعد ذلك من يتخذ الخاصة جنده في تعزيز الحق ، كم في هذا التقسيم للناس من علم بالناس ؟ ؟ وأين درس علي هذه العلوم ؟ ؟ وإذا قلنا : إنه تلميذ محمّد فأين درس محمد ؟ ؟ ثم إذا ثبت لدينا أن محمدا كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب ، فمن أين جاء بهذا العلم وأفضى به إلى وزيره وخليفته علي ؟ ؟ أقول مرة ثانية : كيف علم علي أن من العلم ما هو رباني ، أي إنه من اللّه مباشرة دونما تعلم وإنما هو بطريق الإلهام ، سواء كان هذا العالم الملهم نبيا أو غير نبي ، وسواء كان أميا أو متعلما ، وسواء كان ذكرا أو أنثى ، ولعلي أجرؤ على أن أقول :
سواء كان هذا الملهم إنسانا أو غير إنسان ؟ ؟ .
إن فيما يأتينا به رسل اللّه من شرائع ، وفيما يأتينا به الحكماء والعلماء أميين ومتعلمين ، ثم فيما يأتينا به غير الإنسان كالطير في نباهته الغريزية وهو يزقزق ويغرد مع الفن ، أقول : إن في ذلك كله علما ربانيا يشعرنا بأن وراء العلم الناشئ عن تعلم ، علما آخر لعله أسمى منه ، يزقه الخالق مخلوقاته زقا ويلهمه إياها إلهاما ، قلم يحبر ، أو عين
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 360
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٦٠