تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
وسيلة للرزق فلا يجدها فيحور إلى سادته يرجو منهم العود إلى خدمتهم كما كان . وكذلك جرى في السودان المصري ، فقد جرّب الحكام من الإنكليز أن يجدوا لهم رزقا بعمل يعملونه مستقلين فيه مكتفين به فلم يمكن ، فاضطروا إلى الإذن لهم بالرجوع إلى خدمة الرق السابقة ، بيد أنها لا تسمح للمخدومين ببيعهم والإتجار بهم . فهذا برهان حسّي مشاهد ، على أن إبطال الرق بتشريع ديني يتعبد اللّه تعالى به ، لم يكن من الحكمة ولا من مصلحة البشر الممكن تنفيذها . والإسلام تشريع عملي لا هوادة فيه ، فما شرعه في الرقيق كان أعلى مراتب الحكمة الجامع بين المصلحة العامة والرحمة ( كما تقرؤه مفصلا فيما يلي ) . فنجزم بأنه هداية ربانية ، لا فلسفة محمدية ، وإنما كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحكم وأرحم مبلغ ومنفذ لوحي اللّه بها ، وقد أعتق كثيرا من الرجال والنساء قبل البعثة وبعدها من ماله ومال زوجه خديجة ( أم المؤمنين رضوان اللّه عليها ) . وكان بعض من يملكهم يفضلون الرق عنده على العتق على الحرية عند أهلهم . منع الإسلام أولا جميع ما كان عليه الناس من استرقاق الأقوياء للضعفاء بكل وسيلة من وسائل البغي والعدوان ، إلا استرقاق الأسرى والسبايا في الحرب التي اشترط فيها دفع المفاسد وتقرير المصالح ، ومنع الاعتداء ومراعاة العدل والرحمة ، وهي شروط لم تكن قبله مشروعة عند المليين ، ولا عند أهل الحضارة فضلا عن المشركين الذين لا شرع لهم ولا قانون . ولست أعني بالاستثناء ، أن اللّه تعالى شرع لنا من هذا النوع من الاسترقاق كل ما كانت الأمم تفعله معاملة لهم بالمثل ، بل شرع لأولي الأمر من المسلمين مراعاة المصلحة للبشر في إمضائه أو عدمه ، بأن خيّرهم في أسرى الحرب الشرعية بين أمرين : أولهما : المنّ عليهم بالحرية فضلا وإحسانا ورحمة . ثانيهما : الفداء بهم وهو نوعان : فداء المال ، وفداء الأنفس ( إذا كان لنا أسارى أو سبي عند قومهم ) بنص القرآن
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
« 1 » . وليست هذه الآية ( الدالة على التخيير بين الأمرين ) إبطالا لاستئناف الاسترقاق في الإسلام ( كما توهمه البعض ) ، فبقي حكمه على الأصل المنبع عند جميع الأمم من إقرار الرقية ، إلا أنها تحت نظم وقوانين توجب رفع الضغط عنهم إلى حد بحيث
هامش
( 1 ) سورة محمد ، الآية 4 .