تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
ولما جاء الإسلام ووجد الرق نظاما عالميا يقوم عليه الاقتصاد العالمي . ووجد استرقاق الأسرى عرفا دوليا يأخذ به المحاربون جميعا . . . فلم يكن بدّ أن يتريث في علاج الوضع الاجتماعي القائم والنظام الدولي الشامل . اختار أن يجفف منابع الرق وموارده دون إحداث هزة اجتماعية لا يمكن ضبطها ولا قيادها . وذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق ، وضمان الكرامة الإنسانية في حدود واسعة . بدأ بتجفيف موارد الرق ، فيما عدا أسرى الحرب الشرعية ونسل الأرقاء ، وذلك أن المجتمعات المعادية للإسلام كانت تسترق أسرى المسلمين حسب العرف السائد في ذلك الزمان . وما كان الإسلام يومئذ قادرا على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد ، الذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي في أنحاء الأرض . ولو أنه قرر إلغاء استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصورا على الأسرى الذين يقعون في أيدي المسلمين ، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السئ في عالم الرق هناك . وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام . ولو أنه قرر تحرير نسل الأرقاء الموجود فعلا قبل أن ينظم الأوضاع الاقتصادية للدولة المسلمة ولجميع من تضمهم ، لترك هؤلاء الأرقاء بلا مورد رزق ولا كافل ولا عائل ، ولا أواصر قربى تعصمهم من الفقر والسقوط الخلقي الذي يفسد حياة المجتمع الناشئ . . . لهذه الأوضاع القائمة العميقة الجذور لم ينص على استرقاق الأسرى ، بل قال :
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
« 1 » . ولكنه كذلك لم ينص على عدم استرقاقهم . وترك الدولة المسلمة تعامل أسراها حسب ما تقتضيه طبيعة موقفها . فتفادي من تفادي من الأسرى من الجانبين ، وتتبادل الأسرى من الفريقين ، وتسترق من تسترق وفق الملابسات الواقعية في التعامل مع أعدائها المحاربين . وبتجفيف موارد الرق الأخرى ( وكانت كثيرة جدا ومتنوعة ) يقل العدد ، وهذا العدد القليل أخذ الإسلام يعمل على تحريره بمجرد أن ينضم إلى الجماعة المسلمة ، ويقطع صلته بالمعسكرات المعادية . فجعل للرقيق حقه كاملا في طلب الحرية بدفع
هامش
( 1 ) سورة محمد الآية 4 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 331 | السيد حسن القبانچي