وكان المتوكل العباسي كلفا بشرب الخمر والغناء واللهو والطرب ، وكان مجلس الخلافة لا يخلو ليلة من تلك الفظائع والفجائع . وكان من جملة ندمائه ( عبادة المخنث ) كان يحضره في الطرب ويشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ، ويكشف رأسه وهو ( أصلع ) ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنون قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين ، يحكي بذلك عليا عليه السّلام والمتوكل يشرب ويضحك ، ففعل ذلك يوما و ( المنتصر ) ابنه حاضر ، فأومأ إلى عبادة يتهدده ، فسكت خوفا منه ، فقال المتوكل : ما حالك ؟ فأخبره .
فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب ، ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك ، فكل أنت لحمه إذا شئت ، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه . فقال المتوكل للمغنين : غنوا جميعا .
غار الفتى لابن عمه * رأس الفتى في حر أمه
هكذا قرأت في تاريخ ابن الأثير في حوادث سنة 236 ، وهكذا نقل ابن أبي الفداء في تاريخه . قال ابن الأثير : « فكان هذا من الأسباب التي استحل المنتصر قتله » فقتله وقتل معه وزيره ( الفتح بن خاقان ) فأخذت السيوف مأخذها منهما حتى اختلط لحمهما ولم يميز أحدهما عن الآخر .
قال ( الحافظ الذهبي ) في تاريخه ( العبر ) مج 1 : « وفتكوا به في مجلس لهوه ، وكان فيه نصب ظاهر ، وانهماك على اللذات والمكاره » .
ومنها ( البغي ) :
وكان يقال ( لا ظفر مع بغي ) . وكان قيس بن عامر المنقري يقول لولده إذا غزوا : إياكم والبغي فإنه ما بغى قوم قط إلا ذلوا .
« ومن الكلمات المستحسنة في سوء عاقبة البغي ما ذكره ابن قتيبة في كتاب ( عيون الأخبار ) :
إن فيروز بن يزدجرد بن بهرام ، لما ملك سار بجنوده نحو بلاد الهياطلة فلما انتهى إليهم اشتد رعب ملكهم ( اخشنوار ) منه وحذره ، فناظر أصحابه ووزراءه في أمره ، فقال رجل منهم : أعطني موثقا من اللّه وعهدا تطمئن إليه نفسي ، أن تكفيني الغم بأمر أهلي وولدي ، وأن تحسن إليهم وتخلفني فيهم ثم اقطع يدي ورجلي ، وألقني في طريق فيروز حتى يمر بي هو وأصحابه ، وأنا أكفيك أمرهم وأورطهم مورطا يكون فيه