من وقت لكان هذا الوقت » . « قال الفضل بن الربيع ( أيام الحرب بين الأمين والمأمون ) في كلام يذكر فيه الأمين ويصفه بالعجز : ينام نوم الظربان وينتبه انتباهة الذئب ، همه بطنه ولذته فرجه ، لا يفكر في زوال نعمة ، ولا يروي في إمضاء رأي ولا مكيدة ، قد شمر له عبد اللّه عن ساقه وفوق له أشد سهامه ، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد ، قد عبّأ له المنايا على متون الخيل ، وناط له البلايا بأسنة الرماح وشفار السيوف ، فكأنه هو قال هذا الشعر ، ووصف به نفسه وأخاه :
يقارع أتراك ابن خاقان ليله * إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم
فيصبح من طول الطراد وجسمه * نحيل وأضحي في النعيم أصمم
وهمي كأس من عقار وقينة * وهمته درع ورمح مخذم
فشتان ما بيني وبين ابن خالد * أمية في الرزق الذي اللّه يقسم » « 1 »
وكان المستعصم ( آخر الخلفاء العباسيين ) شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني ، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة ، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه على التنعم واللذات ، لا يراعون له صلاحا . وفي بعض الأمثال : ( الخائن لا يسمع صياحا ) وكتبت له الرقاع من العوام وفيها أنواع التحذير ، وألقيت وفيها الأشعار في أبواب الخلافة ، فمن ذلك :
قل للخليفة مهلا * أتاك ما لا تحب
ها قد دهتك فنون * من المصائب غرب
فانهض بعزم وإلا * غشاك ويل وحرب
كسر وهتك وأسر * ضرب ونهب وسلب
وفي ذلك يقول بعض شعراء الدولة المستعصمية من قصيدة أولها :
يا سائلي ولمحض الحق يرتاد * أصخ فعندي نشدان وإنشاد
وا ضيعة الناس والدين الحنيف وما * تلقاه من حادثات الدهر بغداد
قتل وهتك وأحداث يشيب بها * رأس الوليد وتعذيب وأصفاد
كل ذلك وهو عاكف على سماع الأغاني ، واستماع المثالب والمثاني .
وفي تلك الحال وصل السلطان ( هولاكو ) بغداد ، وكان من القتل الفظيع الذي لا يوصف ، حتى جرى نهر دجلة بدل الماء دما .
هامش
( 1 ) الرابع من شرح ابن أبي الحديد .