من اللّه استيجابا ، ولا أؤثر على العافية والسلامة شيئا ما وجدت إليهما سبيلا .
فقال فيروز : لست ممن يردعه عن الأمر الوعيد ، ولا يصده التهديد والترهيب ، ولو كنت أرى ما أطلب غدرا مني ، إذا ما كان أحد أنظر ولا أشد إبقاء مني على نفسي ، وقد يعلم اللّه أني لم أجعل لك العهد والميثاق إلا بما أضمرت في نفسي فلا يغرنك الحال التي كنت صادفتنا عليها من القلة والجهد والضعف . فقال اخشنوار : لا يغرنك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك ، فإن الناس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر وإعلان آخر ، إذا ما كان ينبغي لأحد أن يغتر بأمان أو يثق بعهد ، وإذا ما قبل الناس شيئا مما كانوا يعطون من ذلك ، ولكنه وضع على العلانية وعلى نية من تعقد له العهود والشروط ، ثم انصرف . فقال فيروز لأصحابه : لقد كان اخشنوار حسن المحاورة وما رأيت للفرس الذي كان تحته نظيرا في الدواب ، فإنه لم يزل قوائمه ولم يرفع حوافره عن موضعها ، ولا صهل ولا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا . وقال اخشنوار لأصحابه : لقد واقفت فيروز كما رأيتم وعليه السلاح كله فلم يتحرك ولم ينزع رجله من ركابه ولا حنى ظهره ، ولا التفت يمينا وشمالا ، ولقد توركت أنا مرارا وتمطيت على فرسي والتفت إلى من خلفي ومددت بصري فيما أمامي ، وهو منتصب ساكن على حاله ، ولولا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرني . وإنما أرادا بما وصفا من ذلك ، أن ينشر هذان الحديثان في أهل عسكرهما فيشتغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكرا ، فلما كان في اليوم الثاني أخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز ، ونصبها على رمح ليراها أهل عسكر فيروز ، فيعرفوا غدره وبغيه ويخرجوا من متابعته على هواه ، فما هو إلا أن رأوها حتى انتقض عسكرهم واختلفوا وما تلبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا وقتل منهم خلق كثير وهلك فيروز ، فقال اخشنوار لقد صدق الذي قال : لا مرد لما قدر ولا شيء أشد إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللجاج ، ولا أضيع من نصيحة يمنحها من لا يوطن نفسه على قبولها والصبر على مكروهها ، ولا أسرع عقوبة وأسوأ عاقبة من البغي والغدر ، ولا أجلب لعظيم العار والفضوح من الأنف وإفراط العجب » « 1 » .
ثم إن للسلطان العادل حقوقا على رعيته ، وإن لهم عليه حقوقا - كما مرت الإشارة إليه موجزا - .
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد مج 3 .