تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
هلكتهم . فقال له ( اخشنوار ) : وما الذي تنتفع به من سلامتنا وصلاح حالنا ، إذا أنت هلكت ولم تشركنا في ذلك ؟ فقال : إني قد بلغت ما كنت أحب أن أبلغ من الدنيا ، وأنا موقن أن الموت لا بد منه وإن تأخر أياما قليلة ، فأحب أن أختم عملي بأفضل ما تختم به الأعمال من النصيحة بسلطاني والنكاية في عدوي ، فيشرف بذلك عقبي وأصيب سعادة وحظوة فيما أمامي . ففعل ( اخشنوار ) به ذلك وحمله فألقاه في الموضع الذي أشار إليه ، فمر به فيروز في جنوده فسأله عن حاله فأخبره أن اخشنوار فعل به ما يراه ، وأنه شديد الأسف كيف لا يستطيع أن يكون أمام الجيش في غزو بلاده وتخريب مدينته ، ولكنه سيدلّ الملك على طريق هو أقرب من هذا الطريق الذي يريدون سلوكه وأخفى ، فلا يشعر اخشنوار حتى يهجم عليه فينتقم اللّه منه بكم ، وليس في هذا الطريق من المكروه إلا تغور يومين ، ثم تفضون إلى كل ما تحبون . فقبل فيروز قوله بعد أن أشار إليه وزراؤه بالاتهام له والحذر منه ، فخالفهم وسلك تلك الطريق ، فانتهوا بعد يومين إلى موضع من المفازة لا صدر لهم عنه ، ولا ماء معهم ، ولا بين أيديهم ، وتبين لهم أنهم قد خدعوا ، فتفرقوا في تلك المفازة يمينا وشمالا يلتمسون الماء ، فقتل العطش أكثرهم ولم يسلم مع فيروز إلا عدة يسيرة ، فانتهى إليهم اخشنوار بجيشه فواقعهم في تلك الحال التي هم فيها من القلة والضر والجهد ، فاستمكنوا منهم بعد أن أعظموا النكاية فيهم ، وأسر فيروز ، فرغب اخشنوار أن يمن عليه وعلى من بقي من أصحابه ، على أن يجعل له عهد اللّه وميثاقه أن لا يغزوهم أبدا ما بقي ، وعلى أن يحد فيما بينه وبين مملكتهم حدا لا يتجاوزه جنوده . فرضي اخشنوار بذلك ، فخلى سبيله ، وجعلا بين المملكتين حجرا لا يتجاوزه كل واحد منهما . فمكث فيروز برهة من دهره ، ثم حمله الأنف على أن يعود لغزو الهياطلة ، ودعا أصحابه إلى ذلك فنهوه عنه وقالوا : إنك قد عاهدته ونحن نتخوف عليك عاقبة البغي والغدر ، مع ما في ذلك من العار وسوء القالة . فقال لهم : إنما اشترطت أن لا أجوز الحجر الذي جعلناه بيننا ، وأنا آمر بالحجر فيحمل أمامنا على عجل . فقالوا : أيها الملك إن العهود والمواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسره المعطي لها ، ولكن على ما يعلن به المعطى إياها ، وإنما جعلت عهد اللّه وميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على الأمر الذي لم يخطر له ببال . فأبى فيروز ومضى في غزوته حتى انتهى إلى الهياطلة وتصاف الفريقان للقتال ، فأرسل اخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفيهم ، فخرج إليه فقال له اخشنوار : إني قد ظننت أنه لم يدعك إلى مقام كهذا إلا الأنف مما أصابك ، ولعمري إن
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 299 | السيد حسن القبانچي