كنا قد احتلنا لك بما رأيت ، لقد التمست منا أعظم منه وما ابتدأناك ببغي ولا ظلم ، وما أردنا إلا دفعك عن أنفسنا وحريمنا ، ولقد كنت جديرا أن تكون من سوء مكافأتنا بمننا عليك وعلى من معك ، ومن نقض العهد والميثاق الذي أكدته على نفسك أعظم أنفا وأشد امتعاضا مما نالك منا ، فإنا أطلقناكم وأنتم أسارى ، ومننا عليكم وأنتم على الهلكة مشرفون ، وحقنا دماءكم ولنا على سفكها قدرة وإنّا لم نجبرك على ما شرطت لنا بل كنت أنت الراغب إلينا فيه والمريد لنا عليه ففكر في ذلك وميز بين هذين الأمرين فانظر أيهما أشد عارا وأقبح سماعا ، إن طلب رجل أمرا فلم يقدر له ولم ينجح في طلبته ، وسلك سبيلا فلم يظفر فيه ببغية واستمكن منه عدوه على حال جهد وضيعة منه ، وممن هم معه ، فمنّ عليهم وأطلقهم على شرط شرطوه ، وأمر اصطلحوا عليه ، فاصطبر بمكروه القضاء واستحيا من الغدر والنكث ، أم يقال : نقض العهد وأخفر الميثاق ، مع أني قد ظننت أنه يزيدك لجاجة ما تثق به من كثرة جنودك ، وما ترى من حسن عدتهم ، وما أجدني أشك أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم ، عارفون بأنك قد حملتهم على غير الحق ودعوتهم إلى ما يسخط اللّه ، وأنهم في حربنا غير مستبصرين ونياتهم على مناصحتك مدخولة ، فانظر ما قدر غناء من يقاتل على هذه الحال ، وما عسى أن يبلغ نكايته في عدوه إذا كان عارفا بأنه إن ظفر فمع عار ، وإن قتل فإلى النار ، وأنا أذكرك اللّه الذي جعلته على نفسك كفيلا ، وأذكرك نعمتي عليك وعلى من معك بعد يأسكم من الحياة وإشرافكم على الممات ، وأدعوك إلى ما فيه حظك ورشدك ، من الوفاء بالعهد ، والاقتداء بآبائك وأسلافك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوه وكرهوه ، فأحمدوا عواقبه ، وحسن عليهم أثره ، مع ذلك فإنك لست على ثقة من الظفر بنا وبلوغ نهمتك فينا ، وإنما نلتمس أمرا يلتمس منك مثله وتنادي عدوا لعله يمنح النصر عليك ، فاقبل هذه النصيحة فقد بالغت في الاحتجاج عليك وتقدمت بالإعذار إليك ، ونحن نستظهر باللّه الذي اعتذرنا إليه ووثقنا بما جعلت لنا من عهده ، إذا استظهرت بكثرة جنودك وازدهتك عدة أصحابك ، فدونك هذه النصيحة ، فباللّه ما كان أحد من أصحابك ببالغ لك أكثر منها ولا يزيدك عليها ولا يحرمنك منفعتها مخرجها مني ، فإنه ليس يزري بالمنافع والمصالح عند ذوي الآراء صدورها عن الأعداء ، كما لا تحسن المضار أن تكون على أيدي الأصدقاء .
واعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مخاطبتي إياك ضعف من نفسي ولا من قلة جنودي ، ولكني أحببت أن أزداد بذلك حجة واستظهارا ، فأزداد به للنصر والمعونة
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 300
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٠٠