القلوب وتصلح النيات فمما جاء في التنزيل من الحث على ذلك قوله تعالى
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
« 1 » .
كان بهرام بن يزدجرد متصفا بالعفو والصفح عن هفوات رجاله . وكان أبوه ( يزدجرد ) بعثه إلى النعمان بن امرئ القيس ( ملك الحيرة ) ليربيه ، فتعلم فنون الآداب من البلاغة والشجاعة والرأي والضرب والرمي ، وسائر الفنون العربية ثم قتل أبوه ( يزدجرد ) ، فسار بهرام بنخبة من فرسان العرب وذوي النجدة منهم إلى محله طالبا للملك ، فنازعه أخوه ( نردشير ) وكان هوى الوزراء مع ( نردشير ) لأنهم يسمون بهرام عربيا ولا يقبلون أن يملك فارس عربي ، فاختصما بينهما ( بهرام ونردشير ) ثم رضيا على أن يجعلا التاج بين أسدين جائعين فمن لبسه كان هو الملك ، فجوّعا أسدين ووضعا بينهما التاج ، فقال بهرام لنردشير : تقدم فامتنع نردشير وتقدم بهرام ، فأخذ الأسدين من عنقيهما وضرب رأس أحدهما بالآخر فألقاهما صريعين ، ثم لبس التاج فملكهم ، فعندها خاف الوزراء بهرام وكتبوا إلى قيصر ( ملك الروم ) أن يأتي فيستلم مملكة فارس ، وكثرت كتبهم عليه ، واختبرهم فوجدهم صادقين ، فجاء بجنوده حتى صار تحت جبل ( حلوان ) ، قريبا من عاصمة الملك ، فعندها أخبر الوزراء بهرام ، فعجب من ذلك وعلم أنهم هم الذين كاتبوه ، فاستشارهم ليتضح له الحال . فقالوا : لا رأي إلا الاستسلام لأنه مصبحنا ونحن على غير عدة ، فسكت عنهم وطلب العرب الذين صحبوه من الحيرة فأتوا إلى داره فقال لهم : إن فارسا أبغضتني لأني عربي منكم ، وكتبوا إلى قيصر ( ملك الروم ) فجاء ليقتلنا ويملك فارس فما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن نخرج إليه ونبيت عسكره هذه الليلة فنلقى سلاما أو نموت كراما ، فقال : ذلك رأيي بالمصلحة وظني بكم ، ثم صعد بهم على جبل ( حلوان ) فأشرف على القوم وإذا هم سكارى غارون فرحون ، فقسّمهم مائة جريدة وباعد بين الجرائد وكانوا ألفين ، فأمرهم أن يشقوا العسكر ذهابا وإيابا ، وأن لا يضربوا إلا من تعرض لهم ، وأن يجتنبوا خيمة قيصر وخيم خاصته ، ففعلوا ذلك ثم عادوا إلى جبل ( حلوان ) ، فأشرفوا على القوم فإذا هم بين منتبه مدهوش ، وبين سكران طافح ، وجعل يضرب بعضهم بعضا وظنوا أن فارسا أحاطت بهم وأن الكتب خديعة ، فأمهلهم حتى سكنت فورتهم ، فنزل من على الجبل فقبض على قيصر وعلى خاصته ، وعاد إلى محله قبل أن يلوح الصباح ، فلما طلعت الشمس أحضر ( بهرام ) وزراءه وملك الروم فقال : أيها الملك كيف غدرت بنا
هامش
( 1 ) سورة النور ، الآية 22 .