وهو ثمرة العقل ، وبه يستبصر السلطان فيما يأتيه ويذره ، ويأمن الزلل في قضاياه وأحكامه ، وبه يتزين في عيون العامة والخاصة .
قال بعض الحكماء : السلطان إذا كان خلوا من العلم كان كالفيل الهائج لا يمرّ بشيء إلا خبطه ، ليس له زاجر من عقل ، ولا رادع من علم .
وليس المراد بالعلم في السلطان هو تصور المسائل المشكلة ، والتبحر في غوامض العلوم والإغراق في طلبها ، وإنما المراد من العلم هو أن يكون له أنس بها ، بحيث يمكنه أن يفاوض أربابها فيها مفاوضة يندفع بها الحال الحاضر ، ولا ضرورة في ذلك إلى التدقيق .
وتختلف علوم السلاطين باختلاف آرائهم . فأما سلاطين الفرس فكانت علومهم حكما ووصايا ، وآدابا وتواريخ وهندسة وما أشبه ذلك . وأما علوم سلاطين الإسلام فكانت علومهم اللسان : كالنحو واللغة والشعر والتواريخ ، حتى أن اللحن كان عندهم من أفحش عيوب السلطان . وكانت منزلة الإنسان تعلو عندهم بالحكاية الواحدة ، وبالبيت الواحد من الشعر ، بل باللفظة الواحدة من اللغة .
وأما في الدولة المغولية فرفضت تلك العلوم كلها ، ونفقت فيها علوم أخر : وهي علم السياسة والحساب لضبط المملكة ، وحصر الدخل والخرج والطب لحفظ الأبدان والأمزجة ، والنجوم لاختبار الأوقات . وما عدا ذلك من العلوم والآداب فكاسد عندهم .
ومنها ( الخوف من اللّه تعالى ) :
وهذه الخصلة هي أصل كل خير ، ومفتاح كل بركة ، فإن السلطان متى خاف اللّه أمنه عباد اللّه .
روي أن عليا أمير المؤمنين عليه السّلام استدعى بصوته بعض عبيده فلم يجبه فدعاه مرارا فلم يجبه ، فدخل عليه رجل وقال : يا أمير المؤمنين ، إنه بالباب واقف وهو يسمع صوتك ولا يكلمك ، فلما حضر العبد عنده قال : أما سمعت صوتي ؟ قال : بلى ، قال :
فما منعك من إجابتي ؟ قال : أمنت عقوبتك . قال علي عليه السّلام : الحمد للّه الذي جعلني ممن يأمنه خلقه .
ومنها ( العفو ) :
عن الذنوب وحسن الصفح عن الهفوات ، وهذه أكبر خصال الخير ، وبها تستمال
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 287
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٨٧