العدل من عمالي فليتكىء في مجلسي كيف شاء وليتمنّ علي ما يشاء ، فلن تخطيه أمنيته واللّه المجازي كلّا بعمله » .
كم يرى المرء في هذه الحياة من جمال ساحر ؛ ويتعشق من نظام بديع فاتن ، ولكن لم يبصر يوما أجمل من العدل ولم يتعشق كتعشقه للوفاء والرحمة والصدق .
وكم ينتاب الشعوب مر الألم ، وينزل بها عظيم الخطوب ، فلم تتوجع لذلك النفوس ، وتتألم الأفئدة كتألمها من الغدر .
العدل منبع الحرية الصافي ، ونور المدنية الوهاج ، على أساسه يبنى الملك ويقوى السلطان ، فهو سر نظام الأمم ، ورمز نجاحها وتقدمها . فما سطعت شمسه على شعب ، إلا هام في سماء الطمأنينة ورتع في بحبوحة الرخاء ، وما غربت شمسه عن أمة ، إلا اندك صرح مجدها وتقوض بنيان عزها . قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) « 1 » .
فأي أمة تجردت من العدل ، وتسربلت برداء الظلم والغدر ، تلك هي الأمة الهمجية والشعب المتوحش ، تلك هي الأمة الساقطة والشعب السافل .
تلك هي الأمة التي قدر لها العار في الحياة ، والويل في الممات .
« ولما فتح السلطان ( هولاكو ) بغداد سنة ست وخمسين وستمائة ، أمر أن يستفتي العلماء أيهما أفضل ، السلطان الكافر العادل ، أو السلطان المسلم الجائر ثم جمع العلماء بالمستنصرية لذلك ، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب وكان رضي الدين ( علي بن طاوس ) حاضرا هذا المجلس ، وكان مقدما محترما ، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا ، ووضع خطه فيها ، بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر ، فوضع الناس خطوطهم بعده » « 2 » .
ولا غرابة في ذلك بعد ما روي عن سيد الكائنات من جوامع كلمه : « يبقى الملك بالعدل مع الكفر ولا يبقى بالجور مع الإيمان » .
ومنها ( العلم ) :
هامش
( 1 ) سورة الفجر ، الآيات 6 - 14 .
( 2 ) الآداب السلطانية .