تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
توصل إليه بأنحاء التوصل إيجابا وندبا من طريق الزكاة والخمس والكفارات المالية ، وأقسام الفدية ، والإنفاقات الواجبة ، والصدقات المندوبة . ومن طريق الوقف والسكنى ، والوصايا والهبة وغير ذلك . وإنما يريد بذلك ارتفاع سطح معيشة الطبقة الساحقة التي لا تستطيع رفع حوائج الحياة من غير إمداد مالي من غيرهم ، ليقرب أفقهم من أفق أهل النعمة والثروة . ومن جانب آخر قد منع من تظاهر أهل الطبقة العالية بالجمال والزينة في مظاهر الحياة بما لا يقرب من المعروف ولا تناله أيدي النمط الأوسط من الناس بالنهي عن الإسراف والتبذير ونحو ذلك . وكان الغرض من ذلك كله إيجاد حياة نوعية متوسطة متقاربة الأجزاء متشابهة الأبعاض . تحيي ناموس الوحدة والمعاضدة ، وتميت الإرادات المتضادة وأضغان القلوب ومنابت الأحقاد . فإن القرآن يرى أن شأن الدين الحق هو تنظيم الحياة بشؤونها وترتيبها ترتيبا يتضمن سعادة الإنسان في العاجل والآجل ويعيش به الإنسان في معارف حقة وأخلاق فاضلة ، وعيشة طيبة يتنعم فيها بما أنعم اللّه عليه من النعم في الدنيا ، ويدفع بها عن نفسه المكاره والنوائب ونواقص المادة . ولا يتم ذلك إلا بالحياة الطيبة النوعية المتشابهة في طيبها وصفائها ، ولا يكون ذلك إلا بإصلاح حال النوع برفع حوائجه في الحياة ، ولا يكمل ذلك إلا بالجهات المالية والثروة والقنية ، والطريق إلى ذلك إنفاق الأفراد مما اقتنوه بكد اليمين وعرق الجبين ، فإنما المؤمنون إخوة ، والأرض للّه والمال ماله . وهذه حقيقة أثبتت السيرة النبوية ( على صاحبها وآله أفضل التحية ) صحتها واستقامتها في القرار والنماء والنتيجة في برهة من الزمان ، وهي زمان حياته ونفوذ أمره . وهي التي يتأسف عليها ، ويشكو انحراف مجريها - أمير المؤمنين علي ( صلوات اللّه وسلامه عليه ) إذ يقول : « وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا ، والشر فيه إلا إقبالا ، والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا فهذا أوان قويت عدته ، وعمت مكيدته ، وأمكنت فريسته ، اضرب بطرفك حيث شئت هل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا ، أو غنيا بدل نعمة اللّه كفرا ، أو بخيلا اتخذ البخل بحق اللّه وفرا ، أو متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا » .