تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
وقد كشف توالي الأيام عن صدق القرآن في نظريته هذه - وهي تقريب الطبقات بإمداد الدانية بالإنفاق ، ومنع العالية عن الإتراف والتظاهر بالجمال - حيث إن الناس بعد ظهور المدنية الغربية استرسلوا في الإخلاد إلى الأرض ، والإفراط في استقصاء المشتهيات الحيوانية ، واستيفاء الهوسات النفسانية وأعدوا له ما استطاعوا من قوة ، فأوجب ذلك عكوف الثروة وصفوة لذائذ الحياة على أبواب أولي القوة والثروة ، ولم يبق بأيدي النمط الأسفل إلا الحرمان ، ولم يزل النمط الأعلى يأكل بعضه بعضا حتى تفرد بسعادة الحياة المادية نزر قليل من الناس ، وسلب حق الحياة من الأكثرين وهم سواد الناس ، وأثار ذلك جميع الرذائل الخلقية من الطرفين ، كل يعمل على شاكلته لا يبقي ولا يذر . فأنتج ذلك التقابل بين الطائفتين ، واشتباك النزاع والنزال بين الفريقين والتفاني بين الغني والفقير والمنعم والمحروم والواجد والفاقد ، ونشبت الحروب العالمية الكبرى ، وظهرت الشيوعية ، وهجرت الحقيقة والفضيلة ، وارتحلت الطمأنينة وطيب الحياة من بين النوع . وهذا ما نشاهده اليوم من فساد العالم الإنساني ، وما يهدد النوع بما يستقبله أعظم وأفظع . * * * قرأت ( للمنفلوطي ) الكاتب العبقري في ( النظرات ) : « مررت ليلة أمس برجل بائس فرأيته واضعا يده على بطنه كأنما يشكو ألما فرثيت لحاله ، وسألته ما باله فشكا إلي الجوع ، ففثأته عنه ببعض ما قدرت عليه ، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة فأدهشني أني رأيته واضعا يده على بطنه وأنه يشكو من الألم ما يشكو ذلك البائس الفقير فسألته عما به فشكا إلي البطنة ، فقلت : يا للعجب لو أعطى ذلك الغني ذلك الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سقما ولا ألما » . لقد كان جديرا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته ويطفئ غلته ، ولكنه كان محبا لنفسه ، مغاليا بها ، فضم إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير فعاقبه اللّه على قسوته بالبطنة حتى لا يهيىء للظالم ظلمه ، ولا يطيب له عيشه ، وهكذا يصدق المثل السائر « بطنة الغني انتقام لجوع الفقير » . ما ضنت السماء بمائها ، ولا شحت الأرض بنباتها ، ولكن حسد القوي الضعيف عليهما فزواهما عنه واحتجبهما دونه ، فأصبح فقيرا معدما شاكيا متظلما ، غرماؤه المياسير الأغنياء ، لا الأرض والسماء .