تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
ليتني أملك ذلك العقل الذي يملكه هؤلاء الناس ، فأستطيع أن أتصور ، كما يتصورون ، حجة الأقوياء في أنهم أحق بإحراز المال وأولى بامتلاكه من الضعفاء . إن كانت القوة حجتهم عليه ، فلم لا يملكون بهذه الحجة سلب أرواحهم كما ملكوا سلب أموالهم ، وما الحياة في نظر الحي بأثمن قيمة من اللقمة في يد الجائع ، وإن كانت حجتهم أنهم ورثوا ذلك المال عن آبائهم قلنا لهم : إن كانت الأبوة علة الميراث فلم ورثتم آباءكم في أموالهم ولم ترثوهم في مظالمهم ، فلقد كان آباؤكم أقوياء اغتصبوا ذلك المال من الضعفاء ، وكان حقا عليهم أن يردوا إليهم ما اغتصبوا منهم ، فإن كنتم لا بد ورثاء فاخلفوهم في رد المال إلى أربابه لا في الاستمرار على اغتصابه . ما أظلم الأقوياء من بني الإنسان ، وما أقسى قلوبهم ، ينام أحدهم ملء جفنيه على فراشه الوثير ، ولا يقلقه في مضجعه أنه يسمع أنين جاره وهو يرعد بردا وقرا ، ويجلس أمام مائدة حافلة بصنوف الطعام ، قديده وشوائه ، حلوه وحامضه ، ولا ينغص عليه شهوته علمه أن بين أقربائه وذوي رحمه من تتواثب أحشاؤه شوقا إلى فتات تلك المائدة ، ويسيل لعابه تلهفا على فضلاتها ، بل إن بينهم من لا تخالط الرحمة قلبه ، ولا يعقد الحياء لسانه فيظل يسرد على مسمع الفقير أحاديث نعمته ، وربما استعان به على عدّ ما تشتمل عليه خزائنه من الذهب وصناديقه من الجواهر ، وغرفه من الأثاث والرياش ، ليكسر قلبه وينغص عليه عيشه ، ويبغض إليه حياته ، وكأنه يقول له في كل كلمة من كلماته وحركة من حركاته : أنا سعيد لأني غني ، وأنت شقي لأنك فقير . أحسب لولا أن الأقوياء في حاجة إلى الضعفاء يستخدمونهم في مرافقهم وحاجاتهم كما يستخدمون أدوات منازلهم ، ويسخرونهم في مطالبهم كما يسخرون مراكبهم ، ولولا أنهم يؤثرون الإبقاء عليهم ليمتعوا أنفسهم بمشاهدة عبوديتهم لهم وسجودهم بين أيديهم ، لامتصوا دماءهم كما اختلسوا أرزاقهم ، ولحرموهم الحياة كما حرموهم لذة العيش فيها . لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنا ، لأني لا أعتقد فصلا صحيحا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان ، وإني أرى الناس ثلاثة : رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلا إلى الإحسان إلى نفسه ، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 265 | السيد حسن القبانچي