سمح . كلمة طيبة تضمد جراح القلوب وتفعمها بالرضى والبشاشة ومغفرة تغسل أحقاد النفوس وتحل محلها الإخاء والصداقة .
فالقول المعروف والمغفرة في هذه الحالة يؤديان الوظيفة الأولى للصدقة تهذيب النفوس وتأليف القلوب . . .
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
( 266 ) « 1 » .
تمثيل لنهاية المن والأذى ، كيف يمحق آثار الصدقة محقا ، في وقت لا يملك صاحبها قوة ولا عونا ، ولا يستطيع لذلك المحق ردا .
تمثيل لهذه النهاية البائسة في صورة موحية عنيفة الإيحاء . كل ما فيها عاصف بعد أمن ورخاء .
هذه الصدقة وقد خرجت عن رضى ، ووصلت محروما . . . هذه هي ظليلة وارفة مخصبة مثمرة . إنها
جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
« 2 » .
هذه هي في حياة المعطي والآخذ ، وفي حياة الجماعة الإنسانية ذات روح وظل ، وذات خير وبركة ، وذات غذاء وري ، وذات زكاة ونماء . . . فمن ذا الذي يود أن تكون له حسنة ثم يرسل عليها المن والأذى يمحقها محقا ، كما لو كانت جنة
فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ . . .
ومتى ؟ في أشد ساعاته عجزا عن إنقاذها ، وحاجة إلى ظلها ونعمائها : من ذا الذي يود هذا ؟ ومن ذا الذي يفكر في ذلك المصير ثم لا يتقيه .
إنها صورة عميقة الإيحاء يرسمها الإمام ( صلوات اللّه عليه ) في هذا النص القصير لذلك النموذج الكريم في البشر وهي صورة كاملة ترتسم على استحياء ! وكل فقرة تكاد تكون لمسة ريشة ، ترسم الملامح والسمات ، وتشخص المشاعر والحركات . وما يكاد الإنسان يتم قراءتها حتى تبدو له تلك الوجوه ، وتلك الشخصيات كأنما يراها . وتلك طريقة الإمام في رسم النماذج الإنسانية ، حتى لتكاد تخطر على الورق نابضة حية ! .
* * * الإنفاق من أعظم ما يهتم بأمره الإسلام في أحد ركنيه - وهو حقوق الناس - وقد
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 266 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية 266 .