تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
تهذيبا وتزكية ، وتطهيرا لنفس المعطي ، واستجاشة لمشاعره الإنسانية ، وارتباطه بأخيه الفقير في الإنسانية وفي اللّه . . . كما أرادها ترضية وتندية لنفس الآخذ ، وتوثيقا لصلته بأخيه في الإنسانية وفي اللّه . . . والمن يذهب بهذه المشاعر كلها ، ويحيل الصدقة سما ونارا ، فهو أذى وإن لم يصحبه أذى آخر باليد أو باللسان . هو أذى في ذاته يمحق الصدقة ، ويمزق المجتمع ، ويثير السخائم والأحقاد . وبعض الباحثين النفسيين في هذه الأيام ، يقررون : أن رد الفعل الطبيعي في النفس البشرية للإحسان هو العداء في يوم من الأيام ! . وهم يعللون هذا بأن الآخذ يحس بالنقص والضعف أمام المعطي ويظل هذا الشعور يحز في نفسه ، فيحاول الاستعلاء عليه بالتهجم لصاحب الفضل عليه وإضمار العداوة له ، لأنه يشعره دائما بنقصه وضعفه . . . وبأن المعطي يريد أن يشعر دائما بأنه صاحب فضل على ما أعطاه . وهو الشعور الذي يزيد من ألم صاحبه الآخر حتى يتحول إلى عداء . . . وقد يكون هذا كله صحيحا في المجتمعات التي لا تسودها روح الإسلام أما هذا الدين فقد عالج المشكلة على نحو آخر ، عالجها بأن يقرر في النفوس أن المال مال اللّه ، وأن الرزق الذي في أيدي الواجدين هو رزق اللّه . فإذا أعطى الواجد من ماله شيئا فإنما من مال اللّه أعطى ، وإذا أسلف حسنة فإنما هي قرض للّه يضاعفه له أضعافا كثيرة . وليس المحروم الآخذ إلا أداة وسببا لينال المعطي الواهب أضعاف ما قدمت يداه ! ثم شرّع هذه الآداب التي نحن بصددها الآن ، توكيدا لهذا المعنى في النفوس ، حتى لا يستعلي معط ، ولا يتخاذل آخذ . فكلاهما آكل من رزق اللّه . وللمعطين أجرهم من اللّه إذا هم أعطوا في سبيل اللّه ، وابتغاء لرضاه ، متأدبين بالأدب الذي رسمه أولئك
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من فقر ، ولا من حقد ،
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 62 ) على ما أنفقوا في الدنيا ، ولا على مصيرهم في الآخرة . . . وتوكيدا للمعنى الذي سلف من حكمة الصدقة . وتوكيدا لأن الغرض منها هو تهذيب النفوس . وترضية القلوب وربط الواهب والآخذ برباط الحب في اللّه . . . يقول تعالى
* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ
( 263 ) « 1 » . يقرر أن الصدقة التي يتبعها الأذى لا ضرورة لها : وأولى منها كلمة طيبة ، وشعور
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 263 .