تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
الهوى ، وكيف يرضي هواه من يعتقد أن اللّه أكبر . نعم من كان يعتقد أن اللّه أكبر على هذه الصورة كان مسلما حقا ، ولو قلت : إن الذي سما بهمم آبائنا الأولين ، فرفعهم في بضع وعشرين سنة ، إلى أعلى عليين هو محض اعتقادهم أن اللّه أكبر ، لما كنت مغاليا في المقال ، ولا ذاهبا مذهب الشعر والخيال . يقولون : إذا كان هذا أثر الحج فأين نحن منه اليوم ؟ قلنا : إن أركان الإسلام كلها مرتبطة ببعضها ، ولا يغني شيء عن شيء منها ، وقد ترك المسلمون كل تلك الأركان ، وبعضهم يأتيها صورة لا حقيقة ، فكيف تؤثر فيهم هذا الأثر الباهر الذي أحدثته في آبائنا الأولين الذين كانوا يراعونها على حقيقتها ؟ . * * * « لقد بلغ من خوف المؤمنين ( من قوم عيسى ) من اللّه أن ابتدعوا في ديانتهم الانقطاع عن الدنيا وملازمة الصوامع والأديرة ، ترهبا إلى اللّه فأقرهم اللّه عليها ، لأن القصد منها لم يكن إلا ابتغاء مرضاة اللّه ، ولكنهم لم يراعوا حقوق هذا الترهب للّه ، بما أدخلوه في ديانتهم من عقائد تتنافى مع الإيمان باللّه حيث قال تعالى :
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
( 27 ) « 1 » . ولما جاء الرسول الأعظم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشريعة الإسلام التي تدعو إلى العمل وتعتبر كل أعمال الإنسان المشروعة في الحياة عبادة ، إذا قصد بها الطاعة ورضاء اللّه ، وحرّم اللّه على الناس البطالة والكسل والتسول والاستجداء ، إن كانوا قادرين على العمل . أراد سبحانه وتعالى أن لا يحرمهم من عمل يحصلون به على الثواب ، ثواب الرهبانية خلال فترات قصيرة ، فدعاهم إلى الحج ، إلى بيته الحرام ، وصاغه في قالب يقضي به الإنسان على شهوات النفس ، ويوجهها إلى طاعة اللّه ابتغاء مرضاة اللّه ، إذ فيه إتعاب للجسم ، وتقشف في المظهر ، وكف عن الزينة ، وصبر عن الشهوة الجنسية . وفيه بذل للمال الذي هو أغلى شيء عند الإنسان في الحياة بغير مقابل إلا رضاء اللّه ، وفيه منتهى الطاعة والانقياد بإقامة شعائر لا يدرك غالبا كنهها ولا يعلم أسرارها ،
هامش
( 1 ) سورة الحديد ، الآية 27 .