تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
الملتهبة حول البيت ، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش ، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل . . . ثم ترجع في الجولة السابقة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفع بين يدي الرضيع الوضيء . وإذا هي زمزم ، ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب . وطيف إبراهيم عليه السّلام وهو يرى الرؤيا ، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده ، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد :
قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى
« 1 » . . . فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل عليه السّلام :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
( 102 ) « 2 » . . . وإذا رحمة اللّه تتجلى في الفداء :
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
( 107 ) « 3 » . وطيف إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام يرفعان القواعد من البيت في إنابة وخشوع :
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 128 ) « 4 » . وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ، ترف وتتتابع حتى يلوح طيف عبد المطلب ، وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه اللّه عشرة أبناء ، وإذا هو عبد اللّه ، وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر . وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء ، وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء ، والقداح يخرج في كل مرة على عبد اللّه ، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر ، هي الدية المعروفة . فيقبل منه الفداء ، فينحر المائة وينجو عبد اللّه . ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق اللّه على اللّه ( محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، ثم يموت ، فكأنما فداه اللّه من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير . ثم تتواكب الأطراف والذكريات ، من محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى ، حول هذا البيت . . . وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفىء الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل . . . وهو يصلي
هامش
( 1 ) سورة الصافات ، الآية 102 . ( 2 ) سورة الصافات ، الآية 102 . ( 3 ) سورة الصافات ، الآيات 104 - 107 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآيتان 127 - 128 .