تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
بل ربما كان في إتيانها ما يدعو إلى الاستغراب لو لم يكن بأمر رب العالمين . فالحج بهذا الاعتبار رهبانية حقة للّه ، لأنه يقضي على روح التمرد في ابن آدم عن تقى وطاعة ، وإذعان للّه بالعظمة والسيادة ، إذ يقف المسلم إلى جانب من هو أرفع منه مقاما وأكثر مالا ، بزي واحد من غير تفريق في صعيد واحد ( هو جبل عرفات ) في موقف تتجلى فيه العبودية للّه بأقصى معانيها ، يلهجون إليه بالتلبية والدعوات بمختلف اللغات ، ويسألونه الرحمة والغفران وقضاء الحاجات ، وينفذون من المناسك ما لا يفقهون لفعلها معنى ، سوى الطاعات ، وإن كان في مناسكها من المرامي الاجتماعية والأهداف السامية ما لا يخفي على المتأملين ، إذ هي تهيئ للمسلمين سبل التعارف في كثير من المواضع وأضيق الجهات ، وهو ما دعا إليه اللّه بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
« 1 » . فاعتكاف دائم بالمسجد الحرام ، واتصال مستمر عند الطواف بالبيت وعند السعي فيها بين الصفا والمروة ، واجتماع كلي في صعيد واحد خال من البناء حول جبل عرفات ، إلى مثله أيضا ليلة واحدة في مزدلفة ، حيث المشعر الحرام ، إلى مثله في منى ثلاثة أيام يلتقون خلالها ذهابا وإيابا عند رمي الجمار ، وكل هذا من شأنه أن يوجد الألفة ويحكم روابط الأخوة بين المسلمين ، وييسّر لهم طرق التفاهم في الرأي والتعاون في الأعمال الصالحة ، وتوحيد الثقافة وتبادل المصالح والمنافع . وفي هذا يقول تعالى :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ
( 28 ) « 2 » . من أجل هذا شرّع اللّه الحج . وقال عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ، وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة » . وفي حديث آخر : « من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه » « 3 » . ومن طريق أهل البيت عليهم السّلام في الموضوع أحاديث متوفرة منها :
هامش
( 1 ) سورة الحجرات ، الآية 13 . ( 2 ) سورة الحج ، الآيتان 27 - 28 . ( 3 ) أسمى الرسالات .