تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
ويطوف . . . وهو يخطب . . . وهو يعتكف . . . وإن خطواته ( عليه الصلاة والسّلام ) لتنبض حية في الخاطر ، وتتمثل شاخصة في الضمير . يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات . . . وخطوات الحشد من صحابته الكرام ، وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى ، حول ذلك البيت ، تكاد تسمعها الآذان ، وتكاد تراها الأبصار . والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة . مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل :
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا
« 1 » . . . ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه : هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا ويلتفون عليها جميعا . . . ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها . راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان . . . ويجدون قوّتهم التي قد ينسونها حينا . قوة التجمع والتوحيد والترابط الذي يضم الملايين . الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدى راية العقيدة والتوحيد . وهو مؤتمر للتعارف والتشاور ، وتنسيق الخطط وتوحيد القوى ، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب ، وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام . في ظل اللّه . بالقرب من بيت اللّه . وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة ، والذكريات الغائبة والحاضرة . في أنسب مكان ، وأنسب جو وأنسب زمان . فذلك إذ يقول اللّه سبحانه :
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
« 2 » . . . كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته . وذلك بعض ما أراده اللّه بالحج يوم أن فرضه على المسلمين ، وأمر إبراهيم عليه السّلام أن يؤذن به في الناس . أجل أعود ثانية فأقول : الحج هو اجتماع الألوف المؤلفة من المسلمين المبعثرين في سائر أرجاء العالم ، المختلفين في الأجناس واللغات ، في بقعة واحدة ، ملبين بالروح والجسم معا ، نداء ربهم ، وهم من بساطة الملبس ، والتساوي في الدرجات على صورة لا توازيها صورة في أي شرع من الشرائع ولا مدنية من المدنيات الأرضية . وهم بين أمير ومأمور ، وحاكم ومحكوم وعربي وتركي ، وأفغاني وفارسي ، وهندي وسوداني ، وحبشي وصيني ، وأوروبي وأوقيانوسي ، وبين أبيض ناصع ، وأصفر فاقع ،
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآية 78 . ( 2 ) سورة الحج ، الآية 28 .