وأحمر قاتم ، وأسود فاحم .
والكل شخوص بالأعين والأفئدة إلى نقطة واحدة ليس في ضمائرهم إلا موضوع واحد . تركوا الأهل والوطن ، وهجروا المال والسكن ، خاضوا غمرات البحار الزاخرة ، واقتحموا الصحارى الغامرة ، لعبت هوج الرياح بهم تارة على السفائن ، ولفحتهم لوافح السموم طورا في السباسب ، خلعوا عاداتهم وتقاليدهم . وغيروا لباسهم ومآكلهم . وصعدوا وهم على هذه الصورة الجريدية على سطح جبل يضم أشتاتهم ويلم جمعهم . فما ذا يكون من أثر هذا الموقف المهيب عليهم . وما ذا تكون نتيجة هذا المنظر الفخم على أفئدتهم وأرواحهم ؟ .
لا شك أن تركز كل تلك الأشعة المنبعثة من صميم معانيهم إلى عرض واحد ونقطة مشتركة ، وهم على هذه الصورة من المساواة والبساطة على قمة ذلك الجبل الذي وقف عليه قبلهم بناة مجد هذه الأمة الكريمة من الشهداء والصالحين والعلماء العاملين ، والأولياء المقربين ، وفوق هؤلاء كلهم خاتم النبيين محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
كل ذلك يوحي إلى سرائرهم ، وينقش في صميم روعهم ويصور لهم في لباب فطرهم ، حقيقة معنى ( اللّه أكبر ) ، وناهيك برجل يعتقد أن ( اللّه أكبر ) .
من يعتقد أن اللّه أكبر ، لا يرضخ للذل ، ولا يستكين للعبودية ، ولا يلين قياده في يد غاشم .
من يعتقد أن اللّه أكبر ، لا يخاف بطش العوادي ، ولا يرهب قرع الحوادث ، ولا ترتعد فرائصه من نازلة مهما عظمت .
من يعتقد أن اللّه أكبر ، لا يستعظم الأقوياء ولا يكبر الأعلياء ، ولا يستخذي للكبراء .
من يعتقد أن اللّه أكبر ، لا ينسحر بمدنية ، ولا يؤلّه أي قوة أجنبية ولا ييأس من بلوغ أمته أقصى المكانات العمرانية .
من يعتقد أن اللّه أكبر ، كان رجلا صحيحا ، وإنسانا تاما ، وفاضلا صرفا ، لأن من يعتقد أن اللّه أكبر لا يستبد ولا يتكبر ولا يتجبر ، ولا يعجب بنفسه ، وهي من كبرى مهلكات الإنسان ، ثم لا يسرف لأن باعث الإسراف حب التفرد ، وكيف يتفرد واللّه أكبر ، ولا يقتر لأن موجبه خوف الفقر ، وكيف يخافه واللّه أكبر .
وصفوة القول أنه لا يقارف دنيئة سواء كانت معنوية أو حسية ، لأن مثيرها إرضاء
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 238
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٣٨