تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
وللحج فوائد دينية واجتماعية وخلقية . تعود بحسن العاقبة على سائر الشعوب الإسلامية . فهو عبادة تتطلب السفر ، فيشاهد المسافر في رحلته إلى تلك البقاع الطاهرة أماكن مقدسة وآثارا مباركة ، تملأ القلوب إيمانا ويقينا . والحج سبيل التعارف والتآلف والتعاون ، وتوثيق العلاقات والروابط والصلات بين سائر الشعوب الإسلامية فتأتلف قلوبهم ، وتتحد كلمتهم فيعملون ما يصلح شأنهم ، ويقوّم ما اعوج من أمرهم . يقول اللّه تعالى :
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
« 1 » . والمنافع التي يشهدها الحجيج كثيرة : فالحج موسم ومؤتمر . الحج موسم تجارة وموسم عبادة . والحج مؤتمر اجتماع وتعارف ، ومؤتمر تنسيق وتعاون . وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة . . . أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة ، حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء من أطراف الأرض . ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر ، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم . يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد . فهو موسم تجارة ، ومعرض نتاج ، وسوق عالمية تقام في كل عام . وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح ، وهي تستشعر قربها من اللّه في بيته الحرام . وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد . . . طيف إبراهيم الخليل عليه السّلام وهو يودع البيت وفلذة كبده إسماعيل وأمه ، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
( 37 ) « 2 » . وطيف هاجر ، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآية 28 . ( 2 ) سورة إبراهيم ، الآية 37 .