تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 9 ) « 1 » ولو كان عندهم شيء من العقل لاستحوا من ذلك العمل ، فإن الرجل العاقل يستنكف أن يخادع مخلوقا مثله إذا كان يعلم أن عنده من اليقظة والعلم ما به ينكشف خداع صاحبه ، فكيف إذا كان ذلك الذي يعامله إلها له العلم الشامل والهيمنة على النفوس . ومن آثار خداعهم للّه أنهم يصلون بأجسامهم لا بقلوبهم ، فهم يصلون صلاة رياء لا صلاة إخلاص
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
« 2 » . وكأنه يشير بكلمة
إِذا
الدالة على التعليق إلى أن الشأن فيهم أن لا يصلوا ، ولو فرض أنهم قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ، فلم يأخذوا التكاليف بقوة ، كما هو الشأن فيمن يعمل العمل وهو مقتنع بأنه نافع مفيد ، بل يؤدونها كارهين متثاقلين ، لأنهم يراؤون الناس بصلاتهم ، ولا يبتغون بها وجه اللّه ، ومن كان كذلك لا يقوم إلى صلاته بجد ونشاط . الثانية : من صفات المنافقين الذبذبة والاضطراب بين حزب المؤمنين وحزب الكافرين ، فلا يستطيعون أن يكونوا مع أحد الفريقين ظاهرا وباطنا ، فإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم ورؤوس الكفر منهم قالوا لهم إنا معكم ، وما أظهرنا الإيمان مع الحزب الأول إلا تهكما بهم ، وقد بيّن اللّه علة ذلك النفاق وهذه الذبذبة بقوله :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
ومن مرض قلبه ، مرض كل شيء فيه ، فإن القلب هو رئيس الجوارح ، والمهيمن على الإنسان كله ، وبفساد الرئيس يفسد المرؤوس ، وذلك المرض لا يشركهم فيه كافر وإن كان قلبه مريضا بحب الجاه وكراهة الحق ، والحقد على المصلح ، لأن قلبه لم يمرض بالضعف والخور والشرور ، فكان جريئا في معاداة الحق وخذلان الإصلاح . أما المنافق فكان خبيثا في عداوته ، محتالا في إفساده ، شأن الضعيف الذي لا يستطيع أن يشفي غيظه ، يمكر ويخادع ، ويداجي ويوارب ، مرض قلب ذلك المنافق فلم يثق باللّه في وعده ووعيده ، ولم يؤمن به في ثوابه وعقابه ، فمرض بذلك المرض صاحبه ، ولم يفض على الجسم نورا يسير به في الظلمات ، ويهتدي به في الملمات ، وكان مثل ذلك الجسم كجيش اعتل قائده فهو يسير بلا قيادة ، وهيهات أن يهتدي أو
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 9 . ( 2 ) سورة النساء ، الآية 142 .