المعنى : ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى ، وأضللناهم عن المحجة ، أو لو نشاء لتركناهم عميا . وقوله :
فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
أي كيف يبصرون الحق وقد طمسنا على أعينهم .
وجاء في سورة ( النحل ) :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 1 » .
يقول اللّه تعالى ذكره : واللّه تعالى أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ، من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئا ولا تعلمون ، فرزقكم عقولا تفهمون بها وتميزون بها الخير من الشر ، وبصركم بها ما لم تكونوا تبصرون ، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به بينكم ، والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص ، فتتعارفون بها وتميزون بها بعضا من بعض ، والأفئدة أي القلوب التي تعرفون بها الأشياء فتحفظونها وتفكرون فتفقهون بها
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي فاشكروا اللّه على ما أنعم به عليكم من ذلك .
وجاء في سورة ( البقرة ) :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( 18 ) « 2 » .
المعنى : هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ثم نافقوا ، مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي به ، فبينما هو كذلك إذ أطفئت ناره فصار لا يدري ما يتقي به الأذى .
فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام ، والخير من الشر ، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يفرق بين الحلال والحرام والخير من الشر .
وأما النور فهو الإيمان بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والظلمة هي نفاقهم . فهؤلاء المنافقون
صُمٌّ
لا يسمعون ،
بُكْمٌ
خرس لا يتكلمون ،
عُمْيٌ
لا يبصرون ،
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( 18 ) عن كفرهم ، ولا يقلعون عن ضلالهم .
وفيها أيضا :
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 20 ) « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية 78 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآيتان 17 - 18 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية 20 .