هامش
- فالله واسع محيط بالغيب وبالشهود على حد سواء ، فيعلم كل شيء أولا وبالذات ، وأما غيره من الأولياء فليست لهم ذوات شمولية حتى يحيطوا بالغيب أو بالشهود فيعلموه بإحاطتهم ، وإنما ذواتهم محدودة لا تحيط بالغيب - كما لا تحيط حتى بالشهود - .
ولكن اللّه قد يمدهم فتمتد ذواتهم عبر الغيب فيطلعون عليه ، كما قال سبحانه :عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداًسورة الجن ، الآيتان 26 - 27 . وقال تعالى :وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ . . .سورة آل عمران ، الآية 179 .
فإخبار الأولياء بالغيب لم يكن علما بالغيب ، وإنما اطلاعا عليه بإذن اللّه ، كما أن خلق عيسى للوطواط لم يكن بقدرته الذاتية ، وإنما بالصلاحية المخوّلة له من قبل اللّه حسب ما روى القرآن عنه قوله :أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِسورة آل عمران ، الآية 49 .
وإذا أردنا التنظير لمجرد التقريب إلى الأذهان - ولا تنظير للخالق بالخلق - نستهدي إلى القول بأن من المفروض أن يكون رئيس الدولة على علم بكل ما يجري في بلاده ، عن طريق الأجهزة المتاحة له ، وليس من المفروض أن يطلع الموظفون في الدولة على المتغيرات المتوالدة في البلاد ، ولكن رئيس الدولة قد يطلع موظفا أو أكثر على بعض المعلومات لسبب من الأسباب .
ويؤكد هذه الحقيقة ما وقع من ( البداء ) في إخبار بعض المعصومين بحوادث لم تقع ، كإخبار عيسى ابن مريم بموت العريس في ليلة زفافه .
والسبب - لظاهرة البداء - أن المقتضيات الأولية لمجريات الأمور تسجل في لوح يعرف ب ( لوح المحو والإثبات ) مع التحفظ تجاه المفاجآت . بينما تسجل النتائج النهائية للمتغيرات - مع مراعاة المفاجآت في لوح آخر يسمى ب ( اللوح المحفوظ ) كما يطلق عليه :أُمُّ الْكِتابِ .وقد أشار القرآن إلى هذين اللوحين بقوله :يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِسورة الرعد : الآية 39 .
وأرواح المعصومين قد تتصل ب ( لوح المحو والإثبات ) فينقلون المثبتات الواردة فيه ، وهم يعلمون أنها معرضة للمفاجآت . وربما تتطلع أرواحهم على ( اللوح المحفوظ ) فينقلون عنها معلومات يؤكدون أنها حتمية .
وقد عبر الإمام علي عليه السّلام عن تعرض مثبتات لوح المحو والإثبات للمفاجآت بقوله : ( لولا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ) فقالوا : وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال : ( قوله تعالى :يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) سورة الرعد : الآية 39 .
وقد قال الإمام علي عليه السّلام هذا ليضع احتمال المفاجآت على كثير من المغيبات التي أخبر عنها بعض المعصومين ، وإلا فالإمام علي نفسه من المطلعين على اللوح المحفوظ -