تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
فانظر كيف دبّر الأمر فيهما ، فإن حاجة الإنسان إلى الماء أشدّ من حاجته إلى الخبز ، وذلك أن صبره على الجوع أكثر من صبره على العطش ، والذي يحتاج إليه من الماء أكثر مما يحتاج إليه من الخبز ، لأنه يحتاج إليه لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وسقي أنعامه وزرعه ، فجعل الماء مبذولا لا يشترى لتسقط عن الإنسان المؤونة في طلبه وتكلّفه ، وجعل الخبز متعذّرا لا ينال إلّا بالحيلة والحركة ، ليكون للإنسان في ذلك شغل يكفه عمّا يخرجه إليه الفراغ من الأشر والعبث ، ألا ترى أن الصبي يدفع إلى المؤدب ، وهو طفل لم تكمل ذاته للتعليم ، كل ذلك ليشتغل عن اللعب والعبث اللذين ربما جنيا عليه وعلى أهله المكروه العظيم ، وهكذا الإنسان لو خلا من الشغل ، لخرج من الأشر والعبث والبطر ، إلى ما يعظم ضرره عليه وعلى من قرب منه ، واعتبر ذلك بمن نشأ في الجدة « 1 » ورفاهية العيش والترفّه والكفاية ، وما يخرجه ذلك إليه .

حكمة الاختلاف

اعتبر لم لا يتشابه الناس واحد بالآخر ، كما تتشابه الوحوش والطير وغير ذلك ، فإنك ترى السرب من الظباء والقطا تتشابه حتى لا يفرق بين واحد منها وبين الأخرى ، وترى الناس مختلفة صورهم وخلقهم ، حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة ، والعلّة في ذلك أن الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم ، لما يجري بينهم من المعاملات ، وليس يجري بين البهائم مثل ذلك ، فيحتاج إلى معرفة كل واحد منها بعينه وحليته ، ألا ترى أن التشابه في الطير والوحش لا يضرّها شيئا ، وليس كذلك الإنسان ، فإنه ربما تشابه التوأم تشابها شديدا فتعظم
هامش
( 1 ) الجدة ، بالتخفيف : الغنى .