تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
معدّا لأسباب معروفة أكان يتوهّم أن مثل هذا يكون بالإهمال ومن غير عمد ؟ فكيف يستجيز قائل أن يقول هذا من صنع الطبيعة في العالم ، وما أعدّ فيه من هذه الأشياء .

حكمة الاشتغال

اعتبر يا مفضّل بأشياء خلقت لمآرب الإنسان ، وما فيها من التدبير فإنه خلق له الحب لطعامه ، وكلف طحنه وعجنه وخبزه ، وخلق له الوبر لكسوته ، فكلف ندفه وغزله ونسجه ، وخلق له الشجر ، فكلّف غرسها وسقيها والقيام عليها ، وخلقت له العقاقير لأدويته ، فكلّف لقطعها وخطلها وصنعها ، وكذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال . فانظر كيف كفى الخلقة التي لم يكن عنده فيها حيلة ، وترك عليه في كل شيء من الأشياء موضع عمل وحركة ، لما له في ذلك من الصلاح لأنّه لو كفي هذا كلّه حتى لا يكون له في الأشياء موضع شغل وعمل ، لما حملته الأرض أشرا وبطرا ، ولبلغ به ذلك إلى أن يتعاطى أمورا فيها تلف نفسه ، ولو كفي الناس كل ما يحتاجون إليه لما تهنأوا بالعيش ولا وجدوا له لذّة . . . ألا ترى لو أن امرءا نزل بقوم ، فأقام حينا بلغ جميع ما يحتاج إليه من مطعم ومشرب وخدمة ، لتبرّم بالفراغ ونازعته نفسه إلى التشاغل بشيء ، فكيف لو كان طول عمره مكفيا لا يحتاج إلى الشيء ؟ فكان من صواب التدبير في هذه الأشياء التي خلقت للإنسان : أن جعل له فيها موضع شغل ، لكيلا تبرمه البطالة ، ولتكفه عن تعاطي ما لا يناله ، ولا خير فيه إن ناله .

الخبز والماء

واعلم يا مفضّل أن رأس معاش الإنسان وحياته : الخبز والماء .