تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
عرف مقدار عمره - وكان قصير العمر - لم يتهنأ بالعيش ، مع ترقّب الموت وتوقّعه ، لوقت قد عرفه ، بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله ، أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر ، والوجل من فناء ماله وخوف الفقر ، على أن الذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال ، لأن من يقلّ ماله يأمل أن يستخلف منه ، فيسكن إلى ذلك ، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس ، وإن كان طويل العمر ، ثم عرف ذلك ، وثق بالبقاء ، وانهمك في اللّذات والمعاصي ، وعمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته ، ثم يتوب في آخر عمره ، وهذا مذهب لا يرضاه اللّه من عباده ولا يقبله ، ألا ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوما أو شهرا ، لم تقبل ذلك منه ، ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الأمور وفي كل الأوقات ، على تصرف الحالات .

بين الخوف والرجاء

فإن قلت : أوليس قد يقيم الإنسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته ؟ قلنا : إن ذلك شيء يكون من الإنسان لغلبة الشهوات له وتركه مخالفتها ، من غير أن يقدّرها في نفسه ، ويبني عليها أمره ، فيصفح اللّه عنه ، ويتفضّل عليه بالمغفرة ، فأما من قدر أمره على أن يعصي ما بدا له ، ثم يتوب آخر ذلك ، فإنما يحاول خديعة من لا يخادع ، بأن يتسلف التلذّذ في العاجل ، ويعد ويمني نفسه بالتوبة في الآجل ، ولأنه لا يفي بما يعد من ذلك ، فإن النزوع من الترفة والتلذّذ ومعاناة التوبة ، ولا سيما عند الكبر