يعرف ما غاب ، ولا يعمل إلّا على الحاضر من نعيم الدنيا ، وكان يحدث من هذا أيضا أن يكون الصالح إنما يعمل للرزق والسعة في هذه الدنيا ، ويكون الممتنع من الظلم والفواحش إنما يكف عن ذلك لترقّب عقوبة تنزل به من ساعته ، حتى تكون أفعال الناس كلّها تجري على الحاضر لا يشوبه شيء من اليقين بما عند اللّه ، ولا يستحقّون ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها .
النقض على الطاعنين
مع أن هذه الأمور التي ذكرها الطاعن من الغنى والفقر والعافية والبلاء ليست بجارية على خلاف قياسه ، بل قد تجري على ذلك أحيانا والأمر المفهوم ، فقد ترى كثيرا من الصالحين ، يرزقون المال لضروب من التدبير وكيلا يسبق إلى قلوب الناس أن الكفار هم المرزقون ، والأبرار هم المحرمون ، فيؤثرون الفسق على الصلاح ، وترى كثيرا من الفسّاق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم وعظم ضررهم على الناس وعلى أنفسهم كما عوجل فرعون بالغرق ، وبخت نصر بالتيه ، وبلبيس بالقتل ، وإن أمهل بعض الأشرار بالعقوبة ، وأخّر بعض الأخيار بالثواب إلى الدار الآخرة ، لأسباب تخفى على العباد لم يكن هذا مما يبطل التدبير ، فإن مثل هذا قد يكون من ملوك الأرض ولا يبطل تدبيرهم ، بل يكون تأخيرهم ما أخّروه وتعجيلهم ما عجّلوه داخلا في صواب الرأي والتدبير ، وإذا كانت الشواهد تشهد وقياسهم يوجب أن للأشياء خالقا حكيما قادرا فما يمنعه أن يدبر خلقه ، فإنه لا يصلح في قياسهم أن يكون الصانع يهمل صنعته إلّا بإحدى ثلاث خصال إمّا عجز وإمّا جهل وإمّا شرارة .