تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
توجب عليه الإقرار ، ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته ، فإن قالوا فكيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ، ولا يحيط به ؟ قيل لهم : إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه ، وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه ، ولم يكلّفوا الإحاطة بصفته ، كما أن الملك لا يكلّف رعيّته أن يعلموا أطويل هو أم قصير ، وأبيض هو أم أسمر ، وإنما يكلّفهم الإذعان لسلطانه ، والانتهاء إلى أمره . ألا ترى أن رجلا لو أتى باب الملك ، فقال : أعرض عليّ نفسك حتى أتقصّى معرفتك ، وإلّا لم أسمع لك ، كان قد أحلّ نفسه بالعقوبة ، فكذا القائل إنه لا يقرّ بالخالق سبحانه ، حتى يحيط بكنهه متعرّضا لسخطه ، فإن قالوا : أوليس قد نصفه ؟ فنقول : هو العزيز الحكيم الجواد الكريم ، قيل لهم : كل هذه صفات إقرار ، وليست صفات إحاطة ، فإنّا نعلم أنه حكيم ، ولا نعلم بكنه ذلك منه ، وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته ، كما قد نرى السماء فلا ندري ما جوهرها ، ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه ، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له ، ولأن الأمثال كلها تقصر عنه ، ولكنها تقود العقل إلى معرفته ، فإن قالوا : ولم يختلف فيه ؟ قيل لهم : لقصر الأوهام عن مدى عظمته ، وتعدّيها أقدارها في طلب معرفته ، وأنها تروم الإحاطة به ، وهي تعجز عن ذلك وما دونه .

نماذج من عدم الإحاطة

فمن ذلك هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها ، ولذلك كثرت الأقاويل فيها ، واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها ، فقال بعضهم هو فلك أجوف مملوء نارا ، له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع ، وقال آخرون هو سحابة ، وقال آخرون هو