وكلّ هذا محال في صنعته عزّ وجلّ وتعالى ذكره ، وذلك أن العاجز لا يستطيع أن يأتي بهذه الخلائق الجليلة العجيبة ، والجاهل لا يهتدي لما فيها من الصواب والحكمة والشرير لا يتطاول لخلقها وإنشائها ، وإذا كان هذا هكذا وجب أن يكون الخالق لهذه الخلائق يدبّرها لا محالة ، وإن كان لا يدرك كنه ذلك التدبير ومخارجه ، فإن كثيرا من تدبير الملوك لا تفهمه العامّة ولا تعرف أسبابه ، لأنها لا تعرف دخيلة أمر الملوك وأسرارهم فإذا عرف سببه وجد قائما على الصواب والشاهد المحنة .
الاعتبار بالشواهد
ولو شككت في بعض الأدوية والأطعمة فيتبيّن لك من جهتين أو ثلاث أنه حار أو بارد ، ألم تكن ستقضي عليه بذلك وتنفي الشك فيه عن نفسك ؟ فما بال هؤلاء الجهلة لا يقضون على العالم بالخلق والتدبير مع هذه الشواهد الكثيرة وأكثر منها ما لا يحصى كثرة ، ولو كان نصف العالم وما فيه مشكلا صوابه ، لما كان من حزم الرأي وسمت الأدب أن يقضى على العالم بالإهمال لأنه كان في النصف الآخر وما يظهر فيه من الصواب ، وإتقان ما يردع الوهم عن التسرّع إلى هذه القضية ، فكيف وكلّ ما فيه إذا فتش وجد على غاية الصواب حتى لا يخطر بالبال شيء إلّا وجد ما عليه الخلقة أصحّ وأصوب منه .
وقفة مع علماء اليونان
واعلم يا مفضل أن اسم هذا العالم بلسان اليونانية الجاري المعروف عندهم « قوسموس » وتفسيره الزينة ، وكذلك سمّته الفلاسفة ومن ادّعى الحكمة ، أفكانوا يسمّونه بهذا الاسم إلّا لما رأوا فيه من التقدير والنظام