تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
يتوالدون ولا يتناسلون ، فإن قالوا : إنه كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم ، يقال لهم : رجع الأمر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعائش عنهم ، ثم لو كانوا لا يتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الأنس بالقرابات وذوي الأرحام والانتصار بهم عند الشدائد ، وموضع تربية الأولاد والسرور بهم ، ففي هذا دليل على أن كلّ ما تذهب إليه الأوهام - سوى ما جرى به التدبير - خطأ وسفه من الرأي والقول .

الدنيا دار اختبار

ولعلّ طاعنا يطعن على التدبير من جهة أخرى فيقول : كيف يكون ههنا تدبير ، ونحن نرى الناس في هذه الدنيا من عزيز ، فالقوي يظلم ويغصب ، والضعيف يظلم ويسالم الخسف ، والصالح فقير مبتلى ، والفاسق معافى موسع عليه ، ومن ركب فاحشة أو انتهك محرما لم يعاجل بالعقوبة ، فلو كان في العالم تدبير لجرت الأمور على القياس القائم ، فكان الصالح هو المرزوق ، والطالح هو المحروم ، وكان القوي يمنع من ظلم الضعيف ، والمنتهك للمحارم يعاجل بالعقوبة . فيقال في جواب ذلك : إن هذا لو كان هكذا لذهب موضع الإحسان الذي فضّل به الإنسان على غيره من الخلق ، وحمل النفس على البرّ والعمل الصالح احتسابا للثواب ، وثقة بما وعد اللّه عنه ، ولصار بمنزلة الدواب التي تساس بالعصا والعلف ، ويلمع لها بكل واحد منهما ساعة فساعة فتستقيم على ذلك ، ولم يكن أحد يعمل على يقين بثواب أو عقاب ، حتى كان هذا يخرجهم عن حد الإنسية إلى حد البهائم ، ثم لا