محاسبا عليه ، لكان يحقّ على العاقل أن لا يتناول منها إلّا قوته ، وبلغة يومه ، حذر السؤال ، وخوفا من الحساب ، وإشفاقا من العجز عن الشكر .
فكيف بمن تجشّم في طلبها ؟ من خضوع رقبته ، ووضع خدّه ، وفرط عنائه ، والاغتراب عن أحبّائه ، وعظيم خطاره ، ثم لا يدري ما آخر ذلك ، الظفر أم الخيبة ؟
الدنيا ثلاثة أيّام
وإنّما الدنيا ثلاثة أيّام : يوم مضى بما فيه فليس بعائد ، ويوم أنت فيه فحق عليك اغتنامه ، ويوم لا تدري أمن أهله ولعلّك راحل فيه .
فأمّا أمس فحكيم مؤدّب ، وأمّا اليوم فصديق مودّع ، فأمّا غد فإنّما في يديك منه الأمل ، فإن يكن أمس سبقك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته ، وإن يكن يومك هذا آنسك بمقدمه عليك فقد كان طويل الغيبة عنك ، وهو سريع الرّحلة فتزوّد منه وأحسن وداعه .
جدّ بالثقة في العمل ، وإياك والاغترار بالأمل ، ولا تدخل عليك اليوم همّ غد ، يكفي اليوم همّه ، وغد داخل عليك بشغله ، إنك إن حملت على اليوم همّ غد زدت في حزنك وتعبك ، وتكفلّت أن تجمع ما يكفيك أياما ، فعظم الحزن ، وزاد الشغل ، واشتد التعب ، وضعف العمل للأمل ، ولو أخليت قلبك من الأمل لجدّد لك العمل ، والأمل منك في اليوم قد ضرّك في وجهين : سوّفت به العمل ، وزدت به في الهمّ والحزن .
ساعة بين ساعتين
أولا ترى أن الدنيا ساعة بين ساعتين : ساعة مضت ، وساعة بقيت ، وساعة أنت فيها ، فأما الماضية والباقية : فلست تجد لرخائهما لذّة ، ولا