تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
نظروا بعقولهم إلى آخر الدنيا ، ولم ينظروا إلى أوّلها ، وإلى باطن الدنيا ، ولم ينظروا إلى ظاهرها ، وفكّروا في مرارة عاقبتها ، فلم تستهزّهم حلاوة عاجلها . ثم ألزموا أنفسهم الصبر ، وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة ، التي لا يحل لأحد أن يشبع منها ، إلّا في حال الضرورة إليها ، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النّفس ، وأمسك الروح ، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها ، فكل من مرّ بها أمسك على أنفه منها ، فهم يتبلّغون منها بأدنى البلاغ ، ولا ينتهون إلى الشّبع من النتن ، ويتعجّبون من الممتلئ منها شبعا ، والراضي بها نصيبا .

مثل الدنيا عند العاقل

إخواني ، واللّه لهي في العاقبة والآجلة « 1 » لمن ناصح نفسه في النظر ، وأخلص له الفكر ، أنتن من الجيفة ، وأكره من الميتة ، غير أن الذي نشأ في دباغ الإهاب لا يجد نتنه ، ولا يؤذيه من رائحته ما يؤذي المارّ به ، والجالس عنده . وقد يكفي العاقل من معرفتها علمه : فإن من مات وخلّف سلطانا عظيما سره أنه عاش فيها سوقة خاملا ، أو كان فيها معافى سليما سرّه أنّه كان فيها مبتلى ضريرا ، فكفى بهذا على عوراتها والرغبة عنها دليلا . واللّه لو أن الدنيا كانت من أراد منها شيئا وجده حيث تنال يده ، من غير طلب ولا تعب ، ولا مؤونة ولا نصب ، ولا ظعن ولا دأب ، غير أن ما أخذ منها من شيء لزمه حق اللّه فيه ، والشكر عليه ، وكان مسؤولا عنه ،
هامش
( 1 ) والعاجلة ، خ ل .