تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
مزدجر ، ولا اللبيب فيها بالتجارب منتفع ، أبت القلوب لها إلّا حبّا ، والنفوس بها إلّا ضنّا . فالناس لها طالبان : طالب ظفر بها ، فاغترّ فيها ، ونسي التزوّد منها للظعن عنها ، فقلّ فيها لبثه حتى خلت منها يده ، وزلّت عنها قدمه ، وجاءته أسرّ ما كان بها منيّته ، فعظمت ندامته ، وكثرت حسرته ، وجلّت مصيبته ، فاجتمعت عليه سكرات الموت ، فغير موصوف ما نزل به . وآخر اختلج عنها قبل أن يظفر بحاجته ، ففارقها بغرّته وأسفه ، ولم يدرك ما طلب منها ، ولم يظفر بما رجا فيها . فارتحلا جميعا من الدنيا بغير زاد ، وقدما على غير مهاد .

مثل الدنيا مثل الحيّة

فاحذروا الدنيا الحذر كلّه ، فإنما مثلها مثل الحيّة ، ليّن مسّها ، قاتل سمها . فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ، وضع عنك ثقل همومها ، لما تيقّنت من وشك زوالها ، وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها . فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنها مكروه ، وكلما اغتبط منها بإقبال نغّصه عنها إدبار ، وكلما ثنّى عليه منها رجلا طوت عنه كشحا ، فالسارّ فيها غارّ ، والنافع فيها ضارّ . وصل رخاؤها بالبلاء ، وجعل بقاؤها إلى الفناء ، فرحها مشوب بالحزن ، وآخر غمومها إلى الوهن ، فانظر إليها بعين الزاهد المفارق ، ولا تنظر إليها بعين الصاحب الوامق .