وليست هناك دلالة ولا إشارة ، في المصادر الأصيلة ، التي تقص بعثة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، على أن دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانت في يوم من الأيام سرية .
كل ما هنالك : إن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عندما أعلن الإسلام ، وسفّه أحلام الكفار ، وسب آلهتهم ، وجلب شبابهم ، تألبوا عليه وعلى المسلمين معه ، فقاطعوهم مقاطعة عامة . وانقطع الوحي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثلاث سنوات ، ريثما تهدأ ردة الفعل التي حدثت عند المشركين ، فقعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن الدعوة إلى الإسلام ، لأن الوحي لم يكن يأمره والأجواء كانت مقفلة في وجهه .
فتوسل الحزبيون بهذه الفترة - في الدعوة إلى الإسلام - للاستدلال على أن دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانت سرية ، رغم أن فتور الداعية عن الدعوة موقتا ، لا يعني كون الدعوة سرية ، ولكن الحزبيين لا يشعرون .
بل الواقع أن سيرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعوامل خارجية وإرادة قيادية ، صفحة مفتوحة ، تشهد بأن دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كانت علنية إلى أقصى حدود العلنية وجهرية إلى أبعد حدود الجهرية ، وصريحة إلى أبلغ آماد الصراحة والوضوح .
وكان يتجاهر بصورة لم يتجاهر بمثلها داعية أبدا ، فلم تكد تنزل الآية الكريمة :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
حتى دعا جميع رؤساء العرب ، وألقى عليهم دعوته ، رغم استنكارهم لها أشد الاستنكار ، حتى إنهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ، وقابلوه بالسب البذيء . وكانت لدعوته العامة طريقتان :
أ -
إنه كان يمشي في شوارع مكة ، والقرى المجاورة لها ، ويهتف بأعلى أصواته : « أيها الناس ! قولوا : لا إله إلا اللّه تفلحوا »
، وفي بعض