تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
الواقع مشتق من جذرين امتزجا معا بصورة ما : أوّلهما : ناء بالحمل ، أي نهض به . وثانيهما : نأى ، أي ذهب بعيدا « 1 » . فإذا تذكرنا الأصل المزدوج لهذا المصطلح فإنّه يعني إذن نظرتين للحركة الإرادية ، تقعان في آن واحد على العمل الماثل ، الّذي يكلف به الإنسان ، وعلى غايته البعيدة الّتي يستهدفها . ومع ذلك ، فلا حاجة بنا إلى أن نتمسك بهذه الإشارة الضّمنية ، ولنفترض أنّ هذه القولة تقصد بخاصة إلى الجزء الأوّل ، ولا سيما في جانبه السّلبي ، ولكن لنقرأ بعد ذلك بقية النّص ، ولسوف نرى فيه المعنى الثّاني ، يستخرج ، ويتحرّك كلّما اطّرد الخطاب ، وأصبح محسوسا شيئا فشيئا ، يقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » « 2 » ( في حال عمله ) ، ثمّ يختم الحديث بهذه الجملة الثّالثة والأخيرة : « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن
هامش
( 1 ) يريد المؤلف أنّ مادة الفعلين واحدة ، هي ( ن - ء - ا ) ، وإن اختلف التّرتيب في الأوّل عن الثّاني ، وهو ما عرف لدى الاشتقاقيين باسم ( الاشتقاق الكبير ) ، ويعنون به أنّ بعض المجموعات الثّلاثية ترتبط ببعض المعاني ارتباطا غير مقيد بترتيب أصواتها ، وهي فكرة صادقة في بعض الأصول ، دون أن تصدق في كلّ أصل ، وقد ضرب ابن جني مثلا على ذلك بمجموعة ( الجيم ، والباء ، والرّاء ) وهي مهما اختلف ترتيبها تعبر عن القوة ، والشّدة . . . إلى آخر ما قال ، وشركه في الرّأي أبو منصور الثّعالبي صاحب « فقه اللّغة » . انظر ، من أسرار اللّغة : 49 ، وما بعدها للأستاذ الدّكتور إبراهيم أنيس . « المعرب » . انظر ، مختار الصّحاح : 1 / 284 ، لسان العرب : 3 / 493 ، النّهاية : 5 / 122 . ( 2 ) انظر ، صحيح البخاري : 1 / 3 ح 1 و : 2 / 894 ح 2390 و : 6 / 2551 ح 6553 ، مجمع الزّوائد : 10 / 281 ، سنن البيهقي الكبرى : 1 / 298 ح 1321 ، سنن أبي داود : 2 / 262 ح 2201 ، فتح الباري : 1 / 8 .