تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
تنشأ الآثام والجرائم في كثير من الأحيان عن ضيق العالم الذي تعيش فيه ، تعيش فيه نفس الإنسان ، فإن من ضاق عالمه لا يرى إلا شخصه ، وأقرب الناس إليه كان عرضة لارتكاب الجريمة عندما يرى أن خيره في ارتكابها ، فكثير ممن يسرقون يضيق نظرهم ؛ فلا يرون إلا أن ما يسرق يزيد في خيرهم وخير أسرتهم ، ولا يتسع نظرهم حتى يدركوا ما يحيط بالمسروق منه وأسرته وأمته من الضرر ، وقد يرتكب الجريمة لأنه وقت ارتكابها كان ضيق العالم ، فإذا اتسع نظره بعد ندم لأن عالمه وقت ندمه أوسع من عالمه وقت اقتراف الجريمة . ضيق النظر يجعل الإنسان يرى أن مصلحته ومصلحة أمته تتناقض ، فيفضل مصلحته على مصلحتها ، ولكن واسع النظر يرى أن مصلحته في مصلحة أمته وفي ضررها ضرره . وعلاج هذا أن يوسع نظره كما بينا ذلك عند الكلام على الخلق . وقد تصدر بعض الشرور عن المصلحين وذوي الأخلاق القوية ، وسبب ذلك في كثير من الأحيان أنهم يحصرون نظرهم في جهة واحدة من جهات الإصلاح ، فيغفلون عن النظر إلى جهات أخرى ، كالذي حكى عن سقراط أن اهتمامه بإصلاح الناس جعله يهمل إصلاح بيته ، وكما نرى في تاريخ عظماء الرجال من أغلاط يرتكبونها . ويجب لصحة الحكم عليهم ألا نقصر نظرنا على أغلاطهم ، بل ننظر إلى جهات نقصهم وجهات كمالهم جميعا ، ويجب هنا ألا ننسى ما أشرنا إليه قبل من وجوب النظر إلى الباعث ، فقد يصدر عملان متشابهان من شخصين ويكون الباعثان مختلفين . أحدهما طيب ، والآخر سيىء ، فلا تحكم على الشخصين حكما واحدا .

الآثام والجرائم :

يهتم الأخلاقيون بنية الإنسان الباطنية وغرضه من عمله ، كما يهتمون بالعمل الخارجي ، وفي كلتيهما نبحث الأخلاق ، فهي تبحث في الصفات النفسية والنية ، ولو لم يترتب عليها عمل خارجي ، وتبحث في الأعمال الخارجية أيضا . والشيء إذا كانت الأخلاق تستقبحه فهو « إثم » سواء كان عملا خارجيا أو حركة نفسية ، ولكن لا يسمى جريمة إلا إذا كان عملا خارجيا نهت عنه قوانين البلاد وعاقبت من ارتكبه ، فالآثام أعم من الجرائم .