2 - وضرر يصيب المجنى عليه والمجتمع معا ، وقد كان الناس قديما يرون أن المجرم جنى على المجنى عليه فحسب ، فلما رقوا عدوه قد جنى على المجتمع كله أيضا ؛ لأن السارق مثلا إذا سرق أزعج الناس وهدد كل مالك ، وجعله يشعر بأنه عرضة لأن يسرق منه كما سرق من غيره . أضف إلى ذلك ما تتكبده الأمة للاحتياط من السارقين والنفقات التي تنفق في سبيل ذلك ، ومن أجل هذا قالوا :
إن مصلحة المجتمع يجب أن تقدم على مصلحة الأفراد ، وأصبحت العقوبة من حق الهيئة الاجتماعية التي تمثلها الحكومة ، وصارت الجرائم تقاس بالضرر الذي ينشأ عنها للمجتمع .
وقد كان الغرض أولا من عقوبة المجرم الانتقام منه ، فلما ارتقى الناس رأوا أن الغرض ينبغي أن يكون :
1 - منع الناس من ارتكاب الجرائم ، فإنهم إذا رأوا أن المجرم يعاقب على إجرامه خوفهم ذلك من ارتكابها .
2 - إيقاع ألم بالمجرم يتناسب مع لذته من إجرامه ؛ لأنه بإجرامه قد آلم المجتمع ، فمن العدل أن نؤلمه كما فعل ، قد تلذذ هو بإجرامه لذة باطلة ، فيجب أن نسترد منه لذته بإيلامه إيلاما حقا مناسبا للذته .
3 - إصلاح المجرم ، وهذه النظرية أكثر مراعاة في أيامنا هذه ، وعنها نشأ كثير من النظم مثل إصلاح السجون ، وذلك بتقسيم المجرمين إلى أقسام بحسب قوة الإجرام عندهم ، وفصل كل قسم عن الآخر حتى لا تعدي مبتدىء الإجرام معتاده . وتعليم المجرمين صنائع يكتسبون منها ، فإذا خرجوا من السجن لا يلجئهم فقرهم وتشردهم إلى السرقة ، بل يتكسبون من الحرفة التي تعلموها وإيجاد دروس وعظ وإرشاد ديني في السجون ، وإنشاء إصلاحيات للأحداث تهذب من نفوسهم وتعدل بهم عن الإجرام ، وهكذا .
* * * وقد تجرم المجتمعات كما تجرم الأفراد ، فالأمة التي تضع لنفسها من النظم ما ينشأ عنه وجود طائفة تعيش على حساب غيرها لا تعمل أي عمل وتتمتع تمتعا كبيرا ، مجتمع قد أجرم ؛ ذلك أن الإنسان إنما خلق ليعمل ، لمن لم يعمل لم يؤد
كتاب الأخلاق — صفحة 182
مساهمون: أحمد أمين
ص١٨٢