تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
ويلاحظ أن أكثر الناس عملا أوسعهم زمنا ؛ ذلك لأنهم محدود والغرض ، فهم يوجهون أعمالهم لنيله ، ولا يصرفون زمنهم في التردد والاختيار ، ولا يكونون كرة في يد الظروف تلعب بهم كما تشاء ؛ بل هم الذين يخلقون الظروف ويتصرفون فيها حسب أغراضهم في الحياة . الثاني : مما يضيع الزمن أن يكون للإنسان غرض محدود ، ولكنه لا يخلص لغرضه ، فلا يجد للوصول إليه ولا يعمل ما يتفق معه . عدم الغرض وعدم الإخلاص له هما اللصان اللذان يسرقان الزمن ويضيعان فائدته . ومن نتائج هذين العدوين التأجيل وعدم الدقة في مراعاة الوقت المحدود للعمل ، وعدم المواظبة - فتأخر دقائق عن البدء المحدد معناه ضياع دقائق من وقت العمل ، وذلك يؤدي إلى إحدى نتيجتين : إما الإسراع في العمل وعدم الدقة فيه ليعوض الزمن الفائت ، وإما التعدي على أوقات خصصت لواجبات أخرى ؛ ومن هذا النحو تأجيل العمل إلى وقت غير وقته ، فالعمل المؤجل قلما يعمل ، وإذا عمل فقلما يعمل بإتقان ، كما إذا كان من وقته . وليس تتطلب المحافظة على الزمن أن نعمل باستمرار وألا نترك وقتا للراحة ، إنما تتطلب أن نستعمل أوقات الراحة والفراغ استعمالا يجعلنا أقدر على العمل ؛ فإذا صرفنا وقت الفراغ في كسل وخمول لم ننتفع به ولم يفدنا في العمل ، وإذا نحن صرفناه في لعب مفيد وحركة جسم أو في رياضة أفادنا ذلك في عملنا ، وأنالنا من القوة ما نستطيع أن نخدم بها غرضنا ، وكان هذا تدبيرا واقتصادا . الزمن هو المادة الخامة للإنسان ، كالخشب الخام في يد النجار والحديد الخام في يد الحداد ، فكل يستطيع أن يصوغ منه حياة طيبة بجده وحياة سيئة بإهماله ؛ ولأجل أن نجعل لحياتنا قيمة يجب أن نقضي أوقاتنا فيما يتفق مع أغراضنا . ومما يعين على الانتفاع بالزمن أن نعرف - بعد تحديد الغرض - هاتين المسألتين : 1 - كيف نبتدىء العمل .