تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥

المحافظة على الزمن

الزمن كالمال ، كلاهما يجب الاقتصاد فيه وتدبيره ، وإن كان المال يمكن جمعه وادخاره لوقت الحاجة بخلاف الزمن . قيمة الزمن كقيمة المال ، كلاهما قيمته في جودة إنفاقه وحسن استعماله ، فالبخيل الذي لا ينفق من ماله إلا ما يسد رمقه فقير ، كما إذا كانت أمواله مزيفة . كذلك من لم ينفق زمنه فيما يزيد في سعادته وسعادة الناس ، فعمره مزيف . إنا نعيش في زمن محدود ، ليل ونهار يتعاقبان بانتظام ليس يطغى أحدهما على الآخر ، وحياة مقسمة تقسيما محدودا ، صبا فشباب فكهولة فشيخوخة ، ولكل قسم عمل خاص لا يليق أن يعمل في غيره ؛ كالزرع إذا فات أوانه لم يصح أن يزرع في غيره ، وحياة محدودة فإذا جاء الأجل فلا مفر من الموت . وما فات من الزمن لا يعود ، فالصبا إذا فات فات أبدا ، والشباب إذا مر مر أبدا ، والزمن المفقود لا يعود أبدا . وإذا كان محدودا وكان لا يمكن أن يمد فيه أو يقصر ، وكانت قيمته في حسن إنفاقه وجب أن نحافظ عليه ونستعمله أحسن استعمال . وليس للانتفاع والمحافظة عليه إلا عن طريق واحد ؛ ذلك أن يكون لك غرض في الحياة ترضى عنه الأخلاق فتنفق زمنك في الوصول إليه . وضياع الزمن بسببين : الأول : ألا يكون للإنسان غرض يسعى إليه ؛ قال عمر بن الخطاب : « إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا ، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة » . فما أضيع زمن قارىء يقرأ ما يقع في يده من الكتب من غير أن يكون له غرض معين ، كبحث موضوع خاص أو دراسة مسألة خاصة . وما أتعب من يمشي في الطريق لا لغرض ، يسير من شارع لشارع ويتنقل من حانوت لآخر لا لغرض معين . وتحديد الغرض يوفر من الزمن الشيء الكثير ويسير الإنسان في الحياة على هدى ، كلما صادفته أمور عرف كيف ينتخب منها ما يغذي غرضه ويتجنب ما لا يتفق معه . إن الذين يحددون أغراضهم ويتركون الزمن يمر عليهم كما يمر على الجماد قلما يصدر عنهم خير كبير أو يأتون بعمل عظيم - والإنسان بلا غرض كالسفينة في البحر بلا مقصد - متروكة في يد الأمواج تلعب بها .
كتاب الأخلاق — صفحة 175 | أحمد أمين